المحكمة الإدارية بالرباط: القوة الملزمة لتوصيات الوسيط يرجع في تحديدها أولا إلى النظر في طبيعة هذه المؤسسة ومجالات وأدوات تدخلها، باعتبارها مؤسسة تتولى في نطاق العلاقة بين المرتـفقين مهمة الإسهام في ترسيخ سيادة القانون وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف
المملكة المغربية المحكمة الإدارية بالرباط قسم القضاء الشامل أصل الحكم المحفوظ بكتابةالضبط حكم رقم : 4444 بتاريخ :20/10/2015 ملف رقم :86/7112/2015
بتاريخ 20 أكتوبر 2015
أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط وهي متكونة من السادة:
حسن اليحياوي ........................................... رئيسا ومقررا
محمد النوري ............................................ عضوا
بشرى الخريفي ........................................... عضوا
بحضور رشدي حرمان .................................... مفوضا ملكيا
وبمساعدة زينب الشكيري ................................. كاتبة الضبط
الحكم الآتي نصه:
بين المدعي : المكي الشياظمي.
عنوانه: زاوية شارع سيدي محمد بن عبد الله وشارع محمد الزرقطوني القبيبات الرباط.
نائبه:الأستاذ محمد إيدوش محام بهيئة الرباط.
................................................ من جهة
وبين المدعى عليهم:
الوقائع
بناء على المقال الافتتاحي الذي تقدم به المدعي إلى كتابة الضبط هذه المحكمة بواسطة نائبه بتاريخ 12/2/2015 ، المؤداة عنه الرسوم القضائية ، يعرض فيه أنه كان يعمل بشركة الخطوط الملكية المغربية وحصل على قرار الإعفاء من الخدمة بسبب فقدان القدرة البدنية و استفاد من جميع الامتيازات الممنوحة لموظفي الشركة المذكورة ، إلا انه فوجئ مؤخرا بقرار حرمانه من الاستفادة من التذاكر مخفضة السعر كحق مكتسب بعلة أنه كانت تربطه بالمؤسسة علاقة شغل وأنه أصبح في حكم المستقيل عند فقدانه لعقدة العمل ومن تم لا حق له في الاستفادة من التسعيرة المنخفضة، مما اضطره إلى مراسلتها من جديد قصد توضيح موقفها من مقتضيات الفقرة الخامسة من المادة 1.2 من نظام العاملين بالشركة المؤرخ في 1 ماي 1987 إلا أن مراسلته بقيت بدون جواب، وقد سبق تمتيعه بهذا الحق بعد انقطاعه عن العمل ، وبعد ذلك استصدر توصية من مؤسسة وسيط المملكة بتاريخ 26/12/2012 بأحقيته في الاستفادة من هذا الحق ومطالبة الشركة بتمكينه منه ، الشيء الذي بقي حبرا على ورق نتيجة تعنت الشركة و عدم امتثالها لهذه التوصية، مضيفا أن المادة 31 من ظهير احداث مؤسسة الوسيط تنص على رفع تقرير لرئيس الحكومة بقصد اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل التوصية من طرف الإدارات وأن رئاسة الحكومة لم تقم بذلك مما يعد خطأ مرفقيا موجبا لمسؤوليتها، في حين أن الإدارة تذرعت بكون التوصية غير ملزمة من خلال محضر استجوابي،لأجل كل ذلك التمس المدعي تحميل الدولة في شخص رئيس الحكومة و وزارة التجهيز والنقل والشركة الوطنية للخطوط الملكية الجوية ولو بعد إجراء خبرة المسؤولية عن الضرر اللاحق به جراء عدم الاستفادة من التذاكر المنخفضة،مع تعويض مسبق قدره 100 درهم مع الصائر،وتسوية الوضعية الإدارية والمالية بتمكين المدعي من الاستفادة من التذاكر المنخفضة،وفقا لدرجته باعتباره متقاعدا في الوظيفة وكذا زوجته وأبنائه طبقا للفصل 1.2 من البند الرابع من القانون الداخلي للشركة الوطنية للخطوط الملكية الجوية.
وبناء على مذكرة جواب نائب المدعى عليها الثالثة بتاريخ 23/3/2015 التي التمس من خلالها الحكم بعدم الاختصاص النوعي لكون موضوع النزاع يخرج عن حالات اختصاص القضاء الإداري المنصوص عليها في المادة 8 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية اعتبارا لكون موكلته شركة مساهمة خاضعة في علاقتها بأجرائها الممارسين والمتقاعدين لأحكام مدونة الشغل و للنصوص القانونية المرتبطة بها والمطبقة كقاعدة على أجراء ومستخدمي القطاع الخاص، و أن طلبها يتعلق بتنفيذ التزام ناشئ عن علاقة شغل انتهت بفقدان الأجير لقدرته عن العمل وهي حالة منظمة بمقتضى قواعد مدونة الشغل وتخضع للقانون الخاص ولا تندرج ضمن تسوية الوضعية الفردية للموظفين وهو ما ينزع الاختصاص عن القضاء الإداري لفائدة المحكمة الابتدائية، و من حيث الموضوع التمس رفض الطلب لكون توصية مؤسسة الوسيط غير إلزامية ،كما أنه لا وجود لأي اتفاق مباشر لتمكين المدعي من تذاكر السفر المنخفضة، و أن ما يستند إليه المدعي يندرج ضمن التبرعات التي يملك المشغل التراجع عنها عند انتهاء العلاقة الشغلية.
وبناء على مذكرة تعقيب نائبا المدعي بتاريخ 6/4/2015 ، التي عرض من خلالها أن الدفع في حد ذاته يعتبر دفعا بعدم القبول يرمي فقط إلى تطويل المسطرة وربح الوقت، وأن الدعوى الحالية تهدف إلى التعويض عن المسؤولية الإدارية بعدم تنفيذ الدولة وشركة الخطوط الملكية المغربية لتوصية وسيط المملكة،أما من حيث الموضوع فإن توصية الوسيط هي ذات طابع الزامي طبقا للمادة 32 من القانون المنظم له، كما أن المادة 272 من مدونة الشغل لا تنطبق على المدعي لأنه ليس هناك قرار صادر عن الشركة المدعى عليها يعتبره في حكم المستقيل بل هو في حالة إعفاء عن العمل لمرض مهني ولم يحرم من حقوقه التي استفاد منها أكثر من 22 سنة، ملتمسا رد الدفع بعدم الاختصاص والاستجابة للطلب.
و بناء على الحكم العارض الصادر بتاريخ 05 ماي 2015 تحت عدد 1904 القاضي بعدم اختصاص هذه المحكمة نوعيا للبت في شق الطلب المتعلق بتسوية الوضعية الإدارية و المالية للمدعي بتمكينه من الاستفادة من التذاكر المخفضة و باختصاصها في شق الطلب المتعلق بمسؤولية الدولة عن عدم تنفيذ توصية وسيط المملكة مع إرجاء البت في الصائر.
وبناء على الحكم التمهيدي عدد 717 الصادر بتاريخ 7/7/2015 ، القاضي بإجراء خبرة عهد للقيام بها للخبير أحمد الزهر الذي خلص في تقريره المؤشر عليه بتاريخ 02/09/2015إلى أن المصاريف الإضافية المتعلقة بفارق السعر التي تكبدها المدعي لأجل اقتناء تذاكر السفر بالطائرة والمستفيدين معه قانونا خلال الفترة الممتدة من تاريخ صدور توصية وسيط المملكة أي 26/12/2012 إلى حدود تاريخ إنجاز الخبرة تم حصرها في مبلغ 118.964,7 درهم، وأن الأضرار التي لحقته خلال نفس الفترة من جراء حرمانه من التذاكر المنخفضة السعر تم حصرها في مبلغ 274.500 درهم وعن ما فاته من فرص محدد في مبلغ 40.000 درهم ليكون مجموع الأضرار محصور في مبلغ إجمالي قدره 433.646,7 درهم.
وبناء على مستنتجات بعد الخبرة المقدمة من طرف نائب المدعي بتاريخ 21/9/2015 أكد من خلاها أن موضوع الدعوى هو مسؤولية إدارية نتيجة ضرر حصل للمدعي جراء تصرف الدولة ووزارة النقل من عدم تنفيذ توصية الوسيط وتندرج في اختصاص المحاكم الإدارية،كما أن توصية الوسيط هي ذات طابع إلزامي ولا فائدة من صدور التوصيات إذا عادت الإدارة للتمسك بنفس الإدعاءات والتبريرات لأن المهم ليس التوصية بل الإعمال ،ورفع دعوى المسؤولية على الدولة هو السبيل الوحيد لإضفاء القوة القانونية على التزاماتها تجاه مؤسسة الوسيط وتجاه المواطن من خلال القضاء الإداري باعتباره الحامي للحقوق والحريات ،مؤكدا الطلب و ملتمسا الحكم بتعويض إجمالي قدره 433.646,7 درهم وتعويض سنوي عن نفس الضرر من غشت 2015 لتاريخ التنفيذ في حدود المقرر في الخبرة القضائية وهو 140.000 درهم سنويا ،مع الفوائد القانونية والضريبة على القيمة المضافة وجعل نصف التعويض مشمول بالنفاذ المعجل والكل تحت غرامة تهديدية قدرها 5000 درهم عن كل يوم امتناع مع الصائر.
وبناء على مستنتجات بعد الخبرة المقدمة من طرف نائب المدعى عليها الثالثة بتاريخ 29/9/2015 أكد من خلالها أن ما صدر عن مؤسسة الوسيط هو مخالف للقانون وأن الضرر الذي حصل بالمدعي والذي توصل اليه الخبير هو مخالف لقواعد منح تذاكر السفر كما هو معمول به عالميا، ذلك أن القاعدة الرئيسية هي أن تذكرة السفر بثمن تفضيلي لا تعطي للمستفيد منها الأسبقية في السفر بل إن الأسبقية تمنح للزبون الذي أدى ثمن التذكرة كاملا،محتجا بالفصل 69 من قانون الالتزامات والعقود، أما من حيث الأضرار فبنيت على الافتراض لرحلات السفر الذي يتنافى وأحد أهم عناصر الضرر، ملتمسا استبعاد الخبرة والحكم برفض الطلب.
و بناء على عدم جواب باقي الجهات المدعى عليها طيلة أطوار المسطرة رغم توصلها باستمرار.
وبناء على إدراج القضية بالجلسة العلنية المنعقدة بتاريخ 6/10/2015،حيث تقرر اعتبارها جاهزة، وأعطيت الكلمة للسيد المفوض الملكي الذي أكد تقريره الكتابي الرامي إلى الاستجابة للطلب، فتم وضع القضية بالمداولة لجلسة اليوم.
وبعد المـداولة طبــقـا للقــانون
في الشكل:حيث قدم الطلب مستوفيا لجميع الشروط الشكلية المتطلبة من الناحية القانونية،وبعد أداء الرسوم القضائية المستحقة ، لذا فهو مقبول.
في الموضوع: حيث إن حاصل طلب المدعي الحكم بتحميل الدولة في شخص رئيس الحكومة و وزارة التجهيز والنقل والشركة الوطنية للخطوط الملكية الجوية ولو بعد إجراء خبرة المسؤولية عن الضرر اللاحق به جراء عدم استفادته من التذاكر المنخفضة، مع تعويض مسبق قدره 100 درهم مع الصائر، مؤسسا دعواه على مسؤولية هذه الجهات عن عدم تنفيذ توصية وسيط المملكة.
وحيث إنه من خلال دراسة كافة معطيات القضية يتبين أن النقطة النزاعية مثار المناقشة في هذه النازلة تنحصر في تحديد مدى إلزامية توصية وسيط المملكة.
وحيث إن التنظيم القانوني لمؤسسة الوسيط مؤطر بمقتضيات الدستور وخاصة الفصل 162 منه، و الظهير الشريف رقم 1.11.25 صادر في 12 من ربيع الآخر 1432(17 مارس 2011) بإحداث مؤسسة الوسيط.
وحيث إن تقدير مدى القوة الملزمة لتوصيات الوسيط في علاقتها بالإدارة المشتكى بها يرجع في تحديده أولا إلى النظر في طبيعة هذه المؤسسة ومجالات وأدوات تدخلها، باعتبارها مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة تتولى في نطاق العلاقة بين المرتـفقين مهمة الدفاع عن الحقوق والإسهام في ترسيخ سيادة القانون وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف والعمل على نشر قيم التخليق والشفافية في تدبير المرافق العمومية والسهر على تنمية تواصل فعال بين الأشخاص والإدارات العمومية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العامة وباقي المنشآت والهيئات الأخرى الخاضعة للمراقبة المالية. ولما كان مناط تدخل هذه المؤسسة يتحدد فيما تكشف عنه الشكايات المقدمة أمامها من حالات يثبت فيها تضرر الأشخاص من تصرف صادر عن الإدارة يكون مخالفا للقانون، خاصة إذا كان متسما بالشطط في استعمال السلطة أو منافيا لمبادئ العدل والإنصاف كما تقضي بذلك المادة الخامسة من الظهير المحدث للمؤسسة ، فإن التوصيات التي يصدرها هذا الأخير تستمد قوتها الإلزامية بداية من إلزامية القانون ذاته، ما دام أنها تهدف لإعادة تصرفات الإدارة إلى دائرة المشروعية والتقيد بالقانون الذي يبقى ملزما لأشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص على السواء،عن طريق تصحيح الخلل الذي اعترى عملها في علاقتها بالمرتفقين من خلال تعيين الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك، ولهذا جاءت المادة 14 من الظهير المذكور واضحة في الدلالة على الطابع الملزم لهذه التوصيات من خلال صيغتها التي حددت الأجل الذي "يتعين" على الإدارة القيام خلاله بالإجراءات اللازمة للنظر في القضايا موضوع التوصيات المحالة إليها وجعلت مدته شهرا واحدا قابلا للتمديد، وألزمتها أن تخبر الوسيط كتابة بالإجراءات التي اتخذتها بشأن التوصيات والاقتراحات الموجهة إليها، كما أنها تستمد هذه القوة كذلك من اعتبار الشكوى التي تفتح باب إصدار الوسيط لتوصياته، ليست طلب مساعدة أو إحسان، بل هي حق في إطار علاقة المواطن بالدولة، لذا فليس للإدارة العامة أن تمتنع عن الاستجابة لمبادرات وتوصيات الوسيط إذا ثبت خطأها أو وجود خلل في عملها،لأنّ غاية كل من الإدارة العامة ومؤسسة الوسيط هي تحقيق المصلحة العامة، لما في ذلك من حفظ للحقوق وترشيد لعمل الإدارة الحكومية بشكل يساعد على تطور عملها، وإعطاء كل ذي حق حقه. فعندما تخالف الإدارة المنظومة التشريعية العامة للدولة، ويثبت عدم امتثالها للقانون فإنّ قرار الوسيط يكون ملزما لها مهما كان شكله، كما أن هذه المؤسسة جاءت لتعزيز مفهوم جديد وحضاري للشكوى والتظلم من الإدارة، واستجابة لضرورات النزاهة والشفافية في العلاقة بين المواطن والإدارة العامة بحيث يدرك المشتكي كيف ومتى ولمن يشتكي، وتدرك الإدارة أن الشكوى الموجهة ضدها لا تستهدف شخصا بعينه بقدر ما تستهدف قرارا أو إجراء يجب تصويبه أو ممارسة يجب الحد منها.
وحيث من جهة أخرىّ، فإن الطابع الملزم لتوصيات الوسيط يدل عليه كذلك ما منحه المشرع لهذا الأخير من آليات لتتبع تنفيذ الإدارة للإجراءات والتدابير التي نصت عليها توصياته، من خلال إلزامها بإخبار الوسيط كتابة بالقرارات والإجراءات التي اتخذتها بشأن هذه التوصيات مع تقييدها بأجل شهر قابل للتمديد قصد تنفيذها، ولهذه الغاية أوجبت المادة 24 من الظهير المؤسس للمؤسسة على الإدارة أن تعين مخاطبين دائمين للوسيط من بين المسؤولين التابعين لها يتمتعون بسلطة اتخاذ القرار فيما يحال عليهم من شكايات وتظلمات وذلك ضمانا لحسن التنسيق والتواصل مع المؤسسة من خلال تتبع القرارات والإجراءات والتدابير الإدارية التي يتم اتخاذها على صعيد كل إدارة في مجال الاستجابة للشكايات والتظلمات وإخبار الوسيط بكل ذلك إعمالا للمادة 25 من الظهير المشار إليه، مع إلزامهم بإنجاز تقارير توجه إلى رئيس الحكومة بشأن تنفيذ التوصيات المذكورة، مما يجعل إقرار المشرع لهذا الإطار المؤسساتي القائم على التنسيق والتعاون والتكامل بين جهاته قصد التقيد بالتوصيات، مؤشرا على اتجاه قصده إلى توفير أكبر ما يمكن من الإمكانات حتى ترتب هذه التوصيات آثارها الواقعية والقانونية على مستوى العلاقة بين الإدارة والمتضرر من نشاطها، بغية إعادة التوازن لهذه العلاقة على أساس المشروعية أو قواعد العدالة الإنصاف، و يتعزز هذا الإطار المؤسساتي بإقرار آلية تواصلية مباشرة بين رئيس الحكومة والوسيط من خلال إخباره من طرف هذا الأخير بحالات امتناع الإدارة عن الاستجابة للتوصيات باعتباره رئيسا للجهاز الإداري له صلاحية التدخل في إطار التسلسل الرئاسي للأمر بما يراه كفيلا بتنفيذ الإجراءات الموصى بها من الوسيط.
وحيث إنه تأسيسا على ما سبق، فإن توصيات وسيط المملكة تكون ملزمة لجميع الأطراف، بيد أن طبيعتها الإلزامية ليست فورية الأثر كما هو الحال بالنسبة للقرارات الإدارية أو القضائية ،بل هي متراخية التنفيذ وتتحقق إلزاميتها بشكل غير مباشر، فهي تتبع مدى تعاون الإدارة من عدمه، ففي حال تعاون الإدارة المعنية يرتبط تنفيذ قرار الوسيط بإجراءات الإدارة ذاتها وظروف عملها والإمكانيات المتاحة لها، وفي حال عدم تعاونها فإن تنفيذها يتم عبر إحالة الأمر على رئيس الحكومة الذي يقع عليه واجب الحرص على تطبيق توصيات الوسيط و ردع من يمتنع عن ذلك واتخاذ الإجراء المناسب بحق تلك الإدارة حتى تمتثل للتوصيات المشار إليها، بما في ذلك توقيع الجزاء التأديبي، إذ نصت المادة 31 من الظهير على أن رئيس الحكومة يمكنه أن يتخذ جميع "الجزاءات" والتدابير اللازمة بعد إحالة الوسيط للتقرير المثبت لعرقلة الإدارة لعمله أو تهاونها في الجواب على اقتراحاته وتوصياته، مما يجعل تدخل رئيس الحكومة يعزز الطابع الإلزامي للتوصيات التي تستمدها في هذه الحالة من إلزامية التعليمات الرئاسية التي يصدرها في شأن التقيد بهذه التوصيات.
وحيث إنه بالنظر للطابع الإلزامي لتوصيات الوسيط كما تم بسطه أعلاه ، فإن امتناع الإدارة عن التقيد بها وتنفيذ الإجراءات الموصى بها يشكل خطأ مرفقيا يرتب مسؤوليتها ما دام أن ذلك ينطوي على إصرارها على مواصلة الخرق القانوني أو الاعتداء على حقوق الأشخاص أو الإضرار بهم بالصورة التي كشفت عنها توصية الوسيط، وأن المحكمة الإدارية عند نظرها في المسؤولية الإدارية للإدارة الممتنعة عن تنفيذ توصية الوسيط، وبالنظر لاحتمال مجانبة هذه التوصية للصواب، فإنها تبسط رقابتها على التصرف الذي كشفت التوصية عن عدم مشروعيته أو مخالفته لقواعد العدالة والإنصاف لتقدير ما إذا كان ينطوي على خطأ في جانب الإدارة حتى ترتب مسؤوليتها عن ذلك، من منطلق أن السلطة القضائية هي حصن المشروعية والحامية لحقوق وحريات الأشخاص وأمنهم القانوني بمقتضى الدستور، ولا يمكن أن تقضي بترتيب آثار توصية معين إلا بعد التثبت من مطابقتها للقانون والتأكد من أن تنفيذها لن يخل بالمشروعية، إذ أن عدم منح المشرع للوسيط الأدوات التي يتحقق بها التنفيذ الجبري المباشر لتوصياته، يجعل إلزامية هاته الأخيرة لا ترتب بذاتها الآثار الناتجة عنها رأسا في مواجهة الإدارة إلا من خلال الآليات التي تسخرها الإدارة نفسها في إطار تقيدها بهذه التوصيات بالنظر للإمكانات المتاحة، أو بتفعيل رئيس الحكومة لسلطاته الملزمة في حدود ما هو منصوص عليه تجاه الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، أو باللجوء للسلطة القضائية التي ترتب آثار الإلزام المذكور في مواجهة الإدارة لكن بعد التثبت من تحقق إخلالها المستند إليه في التوصية.
وحيث إنه بالرجوع للنازلة يتبين أن المدعي كان يشتغل مستخدما في شركة الخطوط الملكية المغربية وتم وضع حد لمهامه بسبب فقدان القدرة البدنية، وظل يستفيد بعد ذلك من التذاكر المخفضة السعر كما الشأن بالنسبة لباقي المستخدمين استنادا إلى النظام الداخلي للمؤسسة، إلى أن تم حرمانه منها بعد ذلك، وعلى إثر لجوئه إلى الوسيط قصد إنصافه ورفع امتناع الشركة عن تمكينه من التخفيضات المذكورة، أصدر هذا الأخير توصية بتاريخ 26/12/2012 يقر من خلالها حق المدعي في التذاكر المخفضة السعر ويطالب الشركة المعنية بتمكينه من ذلك، ولما كانت استفادة المدعي من التذاكر مخفضة الثمن قد أصبحت حقا مكتسبا بعد أن استمر ذلك لسنوات استنادا إلى مقتضيات نظام العاملين بالشركة الصادر بتاريخ 01/05/1987 باعتبار قواعده تظل قواعد خاصة وتتضمن مقتضيات أصلح للأجير وتقدم لذلك في تطبيقها على مقتضيات المادة 272 من مدونة الشغل التي استندت إليها المدعى عليها لتبرير حرمان المدعي من حقه المذكور، فإن ثبوت عدم تقيد الشركة بالتوصية التي تكشف عن الإخلال الصادر عنها في مواجهة المدعي والذي ثبتت عدم مشروعيته في النازلة، يشكل خطأ مرفقيا يرتب مسؤوليتها الإدارية بالنظر لقيام علاقته السببية مع الضرر اللاحق بالمدعي.
وحيث إنه لما كان تكريس سيادة القانون يبقى التزاما على عاتق الدولة، وكان من صلاحيات رئيس الحكومة باعتباره رئيسا للجهاز الإداري التدخل قصد ضمان تنفيذ توصيات الوسيط باتخاذ الإجراءات وتوقيع الجزاءات اللازمة في مواجهة الجهة الإدارية الممتنعة طبقا للمادة 31 من الظهير المذكور آنفا، فإن مسؤولية الدولة عن عدم تنفيذ توصية الوسيط في نازلة الحال تبقى قائمة بالتضامن مع شركة الخطوط الجوية الملكية، ما دام لم يثبت في الملف اتخاذ رئيس الحكومة أي إجراء في مواجهة الشركة المدعى عليها بغرض تنفيذ التوصية المذكورة أو اتخاذ أي تدابير قصد إنصاف المدعي ورفع الضرر الذي أصابه جراء القرار غير المشروع للشركة، خاصة وأن التوصية الصادرة بشأن الخرق المذكور جاءت مُتَضَمَّـنَة في التقرير السنوي برسم سنة 2013 الذي رفعه وسيط المملكة إلى جلالة الملك.
وحيث إنه بذلك يبقى خطأ الدولة ومؤسسة الخطوط الملكية المغربية ثابتا نتيجة عدم السهر على تنفيذ توصية الوسيط.
وحيث إنه بالنظر لكون تحديد قيمة الضرر اللاحق بالمدعي جراء عدم تنفيذ الشركة للتوصية الذي يتمثل في حرمانه من التذاكر مخفضة السعر، يرتبط بجوانب تقنية، فقد أمرت المحكمة بإجراء خبرة انتدب لها الخبير السيد أحمد الزهر، وهي الخبرة التي جاءت متقيدة بالأمر التمهيدي ومستجيبة للشروط الشكلية المتطلبة قانونا، مما ارتأت معه المحكمة الارتكان إلى مضمون هذا التقرير و خلاصاته مع إعمال سلطتها التقديرية في تقدير التعويض.
وحيث يتبين من الخبرة المنجزة أن الأضرار اللاحقة بالمدعي منذ صدور توصية الوسيط بتاريخ 26/12/2012 والتي تمثل فارق السعر بين ما كان ينبغي أداؤه من طرف المدعي وما أداه فعلا حسب الثابت من التذاكر التي أدلى بها، تصل قيمتها إلى 118.964,7 درهم، وأن الأضرار المترتبة عما فات المدعي من فرص نتيجة نقصان وتيرة رحلاته بالنظر للتكاليف الإضافية للتذاكر جراء حرمانه من التخفيضات التي كان يستفيد منها، تصل قيمتها إلى 40.000,00 درهم، أما الأضرار الناتجة عن الحرمان من التذاكر المخفضة خلال نفس المدة فقد ارتأت المحكمة حصرها بعد إعمال سلطتها التقديرية في مبلغ 20.000,00، فيكون المدعي مستحقا لمجموع هذه التعويضات كما سيرد بالمنطوق أدناه.
وحيث يتعين تحميل المدعى عليهم الصائر حسب النسبة تضامنا فيما بينهم.
و تطبيقا لقانون إحداث المحاكم الإدارية 90.41 وقانون المسطرة المدنية والظهير الشريف المحدث لمؤسسة الوسيط.
لهذه الأسباب
حكمت المحكمة الإدارية علنيا ابتدائيا وحضوريا:
في الشكل: بقبول الطلب.
في الموضوع: بأداء الدولة ومؤسسة الخطوط الملكية المغربية تضامنا بينهما تعويضا إجماليا لفائدة المدعي قدره 178.946,70 درهما (مائة وثمانية وسبعون ألفا وتسعمائة وستة وأربعون درهما وسبعون سنتيما) وتحميلهما الصائر حسب النسبة تضامنا بينهما ورفض باقي الطلبات.
بهذا صدر الحكم في اليوم والشهر والسنة أعلاه ...................................................
الرئيـس المقــرر كاتب الضبط
via MarocDroit موقع العلوم القانونية http://ift.tt/20tOeNq
باســــم جــلالة المــلك وطبقا للقانون
بتاريخ 20 أكتوبر 2015
أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط وهي متكونة من السادة:
حسن اليحياوي ........................................... رئيسا ومقررا
محمد النوري ............................................ عضوا
بشرى الخريفي ........................................... عضوا
بحضور رشدي حرمان .................................... مفوضا ملكيا
وبمساعدة زينب الشكيري ................................. كاتبة الضبط
الحكم الآتي نصه:
بين المدعي : المكي الشياظمي.
عنوانه: زاوية شارع سيدي محمد بن عبد الله وشارع محمد الزرقطوني القبيبات الرباط.
نائبه:الأستاذ محمد إيدوش محام بهيئة الرباط.
................................................ من جهة
وبين المدعى عليهم:
- الدولة في شخص رئيس الحكومة بمكاتبه بالرباط.
- وزارة التجهيز والنقل في شخص وزيرها بمكاتبه بالرباط.
- الخطوط الملكية المغربية في شخص ممثلها القانوني مقرها الاجتماعي بالدار البيضاء.
- الوكيل القضائي للمملكة بمكاتبه بالرباط.
الوقائع
بناء على المقال الافتتاحي الذي تقدم به المدعي إلى كتابة الضبط هذه المحكمة بواسطة نائبه بتاريخ 12/2/2015 ، المؤداة عنه الرسوم القضائية ، يعرض فيه أنه كان يعمل بشركة الخطوط الملكية المغربية وحصل على قرار الإعفاء من الخدمة بسبب فقدان القدرة البدنية و استفاد من جميع الامتيازات الممنوحة لموظفي الشركة المذكورة ، إلا انه فوجئ مؤخرا بقرار حرمانه من الاستفادة من التذاكر مخفضة السعر كحق مكتسب بعلة أنه كانت تربطه بالمؤسسة علاقة شغل وأنه أصبح في حكم المستقيل عند فقدانه لعقدة العمل ومن تم لا حق له في الاستفادة من التسعيرة المنخفضة، مما اضطره إلى مراسلتها من جديد قصد توضيح موقفها من مقتضيات الفقرة الخامسة من المادة 1.2 من نظام العاملين بالشركة المؤرخ في 1 ماي 1987 إلا أن مراسلته بقيت بدون جواب، وقد سبق تمتيعه بهذا الحق بعد انقطاعه عن العمل ، وبعد ذلك استصدر توصية من مؤسسة وسيط المملكة بتاريخ 26/12/2012 بأحقيته في الاستفادة من هذا الحق ومطالبة الشركة بتمكينه منه ، الشيء الذي بقي حبرا على ورق نتيجة تعنت الشركة و عدم امتثالها لهذه التوصية، مضيفا أن المادة 31 من ظهير احداث مؤسسة الوسيط تنص على رفع تقرير لرئيس الحكومة بقصد اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل التوصية من طرف الإدارات وأن رئاسة الحكومة لم تقم بذلك مما يعد خطأ مرفقيا موجبا لمسؤوليتها، في حين أن الإدارة تذرعت بكون التوصية غير ملزمة من خلال محضر استجوابي،لأجل كل ذلك التمس المدعي تحميل الدولة في شخص رئيس الحكومة و وزارة التجهيز والنقل والشركة الوطنية للخطوط الملكية الجوية ولو بعد إجراء خبرة المسؤولية عن الضرر اللاحق به جراء عدم الاستفادة من التذاكر المنخفضة،مع تعويض مسبق قدره 100 درهم مع الصائر،وتسوية الوضعية الإدارية والمالية بتمكين المدعي من الاستفادة من التذاكر المنخفضة،وفقا لدرجته باعتباره متقاعدا في الوظيفة وكذا زوجته وأبنائه طبقا للفصل 1.2 من البند الرابع من القانون الداخلي للشركة الوطنية للخطوط الملكية الجوية.
وبناء على مذكرة جواب نائب المدعى عليها الثالثة بتاريخ 23/3/2015 التي التمس من خلالها الحكم بعدم الاختصاص النوعي لكون موضوع النزاع يخرج عن حالات اختصاص القضاء الإداري المنصوص عليها في المادة 8 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية اعتبارا لكون موكلته شركة مساهمة خاضعة في علاقتها بأجرائها الممارسين والمتقاعدين لأحكام مدونة الشغل و للنصوص القانونية المرتبطة بها والمطبقة كقاعدة على أجراء ومستخدمي القطاع الخاص، و أن طلبها يتعلق بتنفيذ التزام ناشئ عن علاقة شغل انتهت بفقدان الأجير لقدرته عن العمل وهي حالة منظمة بمقتضى قواعد مدونة الشغل وتخضع للقانون الخاص ولا تندرج ضمن تسوية الوضعية الفردية للموظفين وهو ما ينزع الاختصاص عن القضاء الإداري لفائدة المحكمة الابتدائية، و من حيث الموضوع التمس رفض الطلب لكون توصية مؤسسة الوسيط غير إلزامية ،كما أنه لا وجود لأي اتفاق مباشر لتمكين المدعي من تذاكر السفر المنخفضة، و أن ما يستند إليه المدعي يندرج ضمن التبرعات التي يملك المشغل التراجع عنها عند انتهاء العلاقة الشغلية.
وبناء على مذكرة تعقيب نائبا المدعي بتاريخ 6/4/2015 ، التي عرض من خلالها أن الدفع في حد ذاته يعتبر دفعا بعدم القبول يرمي فقط إلى تطويل المسطرة وربح الوقت، وأن الدعوى الحالية تهدف إلى التعويض عن المسؤولية الإدارية بعدم تنفيذ الدولة وشركة الخطوط الملكية المغربية لتوصية وسيط المملكة،أما من حيث الموضوع فإن توصية الوسيط هي ذات طابع الزامي طبقا للمادة 32 من القانون المنظم له، كما أن المادة 272 من مدونة الشغل لا تنطبق على المدعي لأنه ليس هناك قرار صادر عن الشركة المدعى عليها يعتبره في حكم المستقيل بل هو في حالة إعفاء عن العمل لمرض مهني ولم يحرم من حقوقه التي استفاد منها أكثر من 22 سنة، ملتمسا رد الدفع بعدم الاختصاص والاستجابة للطلب.
و بناء على الحكم العارض الصادر بتاريخ 05 ماي 2015 تحت عدد 1904 القاضي بعدم اختصاص هذه المحكمة نوعيا للبت في شق الطلب المتعلق بتسوية الوضعية الإدارية و المالية للمدعي بتمكينه من الاستفادة من التذاكر المخفضة و باختصاصها في شق الطلب المتعلق بمسؤولية الدولة عن عدم تنفيذ توصية وسيط المملكة مع إرجاء البت في الصائر.
وبناء على الحكم التمهيدي عدد 717 الصادر بتاريخ 7/7/2015 ، القاضي بإجراء خبرة عهد للقيام بها للخبير أحمد الزهر الذي خلص في تقريره المؤشر عليه بتاريخ 02/09/2015إلى أن المصاريف الإضافية المتعلقة بفارق السعر التي تكبدها المدعي لأجل اقتناء تذاكر السفر بالطائرة والمستفيدين معه قانونا خلال الفترة الممتدة من تاريخ صدور توصية وسيط المملكة أي 26/12/2012 إلى حدود تاريخ إنجاز الخبرة تم حصرها في مبلغ 118.964,7 درهم، وأن الأضرار التي لحقته خلال نفس الفترة من جراء حرمانه من التذاكر المنخفضة السعر تم حصرها في مبلغ 274.500 درهم وعن ما فاته من فرص محدد في مبلغ 40.000 درهم ليكون مجموع الأضرار محصور في مبلغ إجمالي قدره 433.646,7 درهم.
وبناء على مستنتجات بعد الخبرة المقدمة من طرف نائب المدعي بتاريخ 21/9/2015 أكد من خلاها أن موضوع الدعوى هو مسؤولية إدارية نتيجة ضرر حصل للمدعي جراء تصرف الدولة ووزارة النقل من عدم تنفيذ توصية الوسيط وتندرج في اختصاص المحاكم الإدارية،كما أن توصية الوسيط هي ذات طابع إلزامي ولا فائدة من صدور التوصيات إذا عادت الإدارة للتمسك بنفس الإدعاءات والتبريرات لأن المهم ليس التوصية بل الإعمال ،ورفع دعوى المسؤولية على الدولة هو السبيل الوحيد لإضفاء القوة القانونية على التزاماتها تجاه مؤسسة الوسيط وتجاه المواطن من خلال القضاء الإداري باعتباره الحامي للحقوق والحريات ،مؤكدا الطلب و ملتمسا الحكم بتعويض إجمالي قدره 433.646,7 درهم وتعويض سنوي عن نفس الضرر من غشت 2015 لتاريخ التنفيذ في حدود المقرر في الخبرة القضائية وهو 140.000 درهم سنويا ،مع الفوائد القانونية والضريبة على القيمة المضافة وجعل نصف التعويض مشمول بالنفاذ المعجل والكل تحت غرامة تهديدية قدرها 5000 درهم عن كل يوم امتناع مع الصائر.
وبناء على مستنتجات بعد الخبرة المقدمة من طرف نائب المدعى عليها الثالثة بتاريخ 29/9/2015 أكد من خلالها أن ما صدر عن مؤسسة الوسيط هو مخالف للقانون وأن الضرر الذي حصل بالمدعي والذي توصل اليه الخبير هو مخالف لقواعد منح تذاكر السفر كما هو معمول به عالميا، ذلك أن القاعدة الرئيسية هي أن تذكرة السفر بثمن تفضيلي لا تعطي للمستفيد منها الأسبقية في السفر بل إن الأسبقية تمنح للزبون الذي أدى ثمن التذكرة كاملا،محتجا بالفصل 69 من قانون الالتزامات والعقود، أما من حيث الأضرار فبنيت على الافتراض لرحلات السفر الذي يتنافى وأحد أهم عناصر الضرر، ملتمسا استبعاد الخبرة والحكم برفض الطلب.
و بناء على عدم جواب باقي الجهات المدعى عليها طيلة أطوار المسطرة رغم توصلها باستمرار.
وبناء على إدراج القضية بالجلسة العلنية المنعقدة بتاريخ 6/10/2015،حيث تقرر اعتبارها جاهزة، وأعطيت الكلمة للسيد المفوض الملكي الذي أكد تقريره الكتابي الرامي إلى الاستجابة للطلب، فتم وضع القضية بالمداولة لجلسة اليوم.
وبعد المـداولة طبــقـا للقــانون
في الشكل:حيث قدم الطلب مستوفيا لجميع الشروط الشكلية المتطلبة من الناحية القانونية،وبعد أداء الرسوم القضائية المستحقة ، لذا فهو مقبول.
في الموضوع: حيث إن حاصل طلب المدعي الحكم بتحميل الدولة في شخص رئيس الحكومة و وزارة التجهيز والنقل والشركة الوطنية للخطوط الملكية الجوية ولو بعد إجراء خبرة المسؤولية عن الضرر اللاحق به جراء عدم استفادته من التذاكر المنخفضة، مع تعويض مسبق قدره 100 درهم مع الصائر، مؤسسا دعواه على مسؤولية هذه الجهات عن عدم تنفيذ توصية وسيط المملكة.
وحيث إنه من خلال دراسة كافة معطيات القضية يتبين أن النقطة النزاعية مثار المناقشة في هذه النازلة تنحصر في تحديد مدى إلزامية توصية وسيط المملكة.
وحيث إن التنظيم القانوني لمؤسسة الوسيط مؤطر بمقتضيات الدستور وخاصة الفصل 162 منه، و الظهير الشريف رقم 1.11.25 صادر في 12 من ربيع الآخر 1432(17 مارس 2011) بإحداث مؤسسة الوسيط.
وحيث إن تقدير مدى القوة الملزمة لتوصيات الوسيط في علاقتها بالإدارة المشتكى بها يرجع في تحديده أولا إلى النظر في طبيعة هذه المؤسسة ومجالات وأدوات تدخلها، باعتبارها مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة تتولى في نطاق العلاقة بين المرتـفقين مهمة الدفاع عن الحقوق والإسهام في ترسيخ سيادة القانون وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف والعمل على نشر قيم التخليق والشفافية في تدبير المرافق العمومية والسهر على تنمية تواصل فعال بين الأشخاص والإدارات العمومية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العامة وباقي المنشآت والهيئات الأخرى الخاضعة للمراقبة المالية. ولما كان مناط تدخل هذه المؤسسة يتحدد فيما تكشف عنه الشكايات المقدمة أمامها من حالات يثبت فيها تضرر الأشخاص من تصرف صادر عن الإدارة يكون مخالفا للقانون، خاصة إذا كان متسما بالشطط في استعمال السلطة أو منافيا لمبادئ العدل والإنصاف كما تقضي بذلك المادة الخامسة من الظهير المحدث للمؤسسة ، فإن التوصيات التي يصدرها هذا الأخير تستمد قوتها الإلزامية بداية من إلزامية القانون ذاته، ما دام أنها تهدف لإعادة تصرفات الإدارة إلى دائرة المشروعية والتقيد بالقانون الذي يبقى ملزما لأشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص على السواء،عن طريق تصحيح الخلل الذي اعترى عملها في علاقتها بالمرتفقين من خلال تعيين الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك، ولهذا جاءت المادة 14 من الظهير المذكور واضحة في الدلالة على الطابع الملزم لهذه التوصيات من خلال صيغتها التي حددت الأجل الذي "يتعين" على الإدارة القيام خلاله بالإجراءات اللازمة للنظر في القضايا موضوع التوصيات المحالة إليها وجعلت مدته شهرا واحدا قابلا للتمديد، وألزمتها أن تخبر الوسيط كتابة بالإجراءات التي اتخذتها بشأن التوصيات والاقتراحات الموجهة إليها، كما أنها تستمد هذه القوة كذلك من اعتبار الشكوى التي تفتح باب إصدار الوسيط لتوصياته، ليست طلب مساعدة أو إحسان، بل هي حق في إطار علاقة المواطن بالدولة، لذا فليس للإدارة العامة أن تمتنع عن الاستجابة لمبادرات وتوصيات الوسيط إذا ثبت خطأها أو وجود خلل في عملها،لأنّ غاية كل من الإدارة العامة ومؤسسة الوسيط هي تحقيق المصلحة العامة، لما في ذلك من حفظ للحقوق وترشيد لعمل الإدارة الحكومية بشكل يساعد على تطور عملها، وإعطاء كل ذي حق حقه. فعندما تخالف الإدارة المنظومة التشريعية العامة للدولة، ويثبت عدم امتثالها للقانون فإنّ قرار الوسيط يكون ملزما لها مهما كان شكله، كما أن هذه المؤسسة جاءت لتعزيز مفهوم جديد وحضاري للشكوى والتظلم من الإدارة، واستجابة لضرورات النزاهة والشفافية في العلاقة بين المواطن والإدارة العامة بحيث يدرك المشتكي كيف ومتى ولمن يشتكي، وتدرك الإدارة أن الشكوى الموجهة ضدها لا تستهدف شخصا بعينه بقدر ما تستهدف قرارا أو إجراء يجب تصويبه أو ممارسة يجب الحد منها.
وحيث من جهة أخرىّ، فإن الطابع الملزم لتوصيات الوسيط يدل عليه كذلك ما منحه المشرع لهذا الأخير من آليات لتتبع تنفيذ الإدارة للإجراءات والتدابير التي نصت عليها توصياته، من خلال إلزامها بإخبار الوسيط كتابة بالقرارات والإجراءات التي اتخذتها بشأن هذه التوصيات مع تقييدها بأجل شهر قابل للتمديد قصد تنفيذها، ولهذه الغاية أوجبت المادة 24 من الظهير المؤسس للمؤسسة على الإدارة أن تعين مخاطبين دائمين للوسيط من بين المسؤولين التابعين لها يتمتعون بسلطة اتخاذ القرار فيما يحال عليهم من شكايات وتظلمات وذلك ضمانا لحسن التنسيق والتواصل مع المؤسسة من خلال تتبع القرارات والإجراءات والتدابير الإدارية التي يتم اتخاذها على صعيد كل إدارة في مجال الاستجابة للشكايات والتظلمات وإخبار الوسيط بكل ذلك إعمالا للمادة 25 من الظهير المشار إليه، مع إلزامهم بإنجاز تقارير توجه إلى رئيس الحكومة بشأن تنفيذ التوصيات المذكورة، مما يجعل إقرار المشرع لهذا الإطار المؤسساتي القائم على التنسيق والتعاون والتكامل بين جهاته قصد التقيد بالتوصيات، مؤشرا على اتجاه قصده إلى توفير أكبر ما يمكن من الإمكانات حتى ترتب هذه التوصيات آثارها الواقعية والقانونية على مستوى العلاقة بين الإدارة والمتضرر من نشاطها، بغية إعادة التوازن لهذه العلاقة على أساس المشروعية أو قواعد العدالة الإنصاف، و يتعزز هذا الإطار المؤسساتي بإقرار آلية تواصلية مباشرة بين رئيس الحكومة والوسيط من خلال إخباره من طرف هذا الأخير بحالات امتناع الإدارة عن الاستجابة للتوصيات باعتباره رئيسا للجهاز الإداري له صلاحية التدخل في إطار التسلسل الرئاسي للأمر بما يراه كفيلا بتنفيذ الإجراءات الموصى بها من الوسيط.
وحيث إنه تأسيسا على ما سبق، فإن توصيات وسيط المملكة تكون ملزمة لجميع الأطراف، بيد أن طبيعتها الإلزامية ليست فورية الأثر كما هو الحال بالنسبة للقرارات الإدارية أو القضائية ،بل هي متراخية التنفيذ وتتحقق إلزاميتها بشكل غير مباشر، فهي تتبع مدى تعاون الإدارة من عدمه، ففي حال تعاون الإدارة المعنية يرتبط تنفيذ قرار الوسيط بإجراءات الإدارة ذاتها وظروف عملها والإمكانيات المتاحة لها، وفي حال عدم تعاونها فإن تنفيذها يتم عبر إحالة الأمر على رئيس الحكومة الذي يقع عليه واجب الحرص على تطبيق توصيات الوسيط و ردع من يمتنع عن ذلك واتخاذ الإجراء المناسب بحق تلك الإدارة حتى تمتثل للتوصيات المشار إليها، بما في ذلك توقيع الجزاء التأديبي، إذ نصت المادة 31 من الظهير على أن رئيس الحكومة يمكنه أن يتخذ جميع "الجزاءات" والتدابير اللازمة بعد إحالة الوسيط للتقرير المثبت لعرقلة الإدارة لعمله أو تهاونها في الجواب على اقتراحاته وتوصياته، مما يجعل تدخل رئيس الحكومة يعزز الطابع الإلزامي للتوصيات التي تستمدها في هذه الحالة من إلزامية التعليمات الرئاسية التي يصدرها في شأن التقيد بهذه التوصيات.
وحيث إنه بالنظر للطابع الإلزامي لتوصيات الوسيط كما تم بسطه أعلاه ، فإن امتناع الإدارة عن التقيد بها وتنفيذ الإجراءات الموصى بها يشكل خطأ مرفقيا يرتب مسؤوليتها ما دام أن ذلك ينطوي على إصرارها على مواصلة الخرق القانوني أو الاعتداء على حقوق الأشخاص أو الإضرار بهم بالصورة التي كشفت عنها توصية الوسيط، وأن المحكمة الإدارية عند نظرها في المسؤولية الإدارية للإدارة الممتنعة عن تنفيذ توصية الوسيط، وبالنظر لاحتمال مجانبة هذه التوصية للصواب، فإنها تبسط رقابتها على التصرف الذي كشفت التوصية عن عدم مشروعيته أو مخالفته لقواعد العدالة والإنصاف لتقدير ما إذا كان ينطوي على خطأ في جانب الإدارة حتى ترتب مسؤوليتها عن ذلك، من منطلق أن السلطة القضائية هي حصن المشروعية والحامية لحقوق وحريات الأشخاص وأمنهم القانوني بمقتضى الدستور، ولا يمكن أن تقضي بترتيب آثار توصية معين إلا بعد التثبت من مطابقتها للقانون والتأكد من أن تنفيذها لن يخل بالمشروعية، إذ أن عدم منح المشرع للوسيط الأدوات التي يتحقق بها التنفيذ الجبري المباشر لتوصياته، يجعل إلزامية هاته الأخيرة لا ترتب بذاتها الآثار الناتجة عنها رأسا في مواجهة الإدارة إلا من خلال الآليات التي تسخرها الإدارة نفسها في إطار تقيدها بهذه التوصيات بالنظر للإمكانات المتاحة، أو بتفعيل رئيس الحكومة لسلطاته الملزمة في حدود ما هو منصوص عليه تجاه الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، أو باللجوء للسلطة القضائية التي ترتب آثار الإلزام المذكور في مواجهة الإدارة لكن بعد التثبت من تحقق إخلالها المستند إليه في التوصية.
وحيث إنه بالرجوع للنازلة يتبين أن المدعي كان يشتغل مستخدما في شركة الخطوط الملكية المغربية وتم وضع حد لمهامه بسبب فقدان القدرة البدنية، وظل يستفيد بعد ذلك من التذاكر المخفضة السعر كما الشأن بالنسبة لباقي المستخدمين استنادا إلى النظام الداخلي للمؤسسة، إلى أن تم حرمانه منها بعد ذلك، وعلى إثر لجوئه إلى الوسيط قصد إنصافه ورفع امتناع الشركة عن تمكينه من التخفيضات المذكورة، أصدر هذا الأخير توصية بتاريخ 26/12/2012 يقر من خلالها حق المدعي في التذاكر المخفضة السعر ويطالب الشركة المعنية بتمكينه من ذلك، ولما كانت استفادة المدعي من التذاكر مخفضة الثمن قد أصبحت حقا مكتسبا بعد أن استمر ذلك لسنوات استنادا إلى مقتضيات نظام العاملين بالشركة الصادر بتاريخ 01/05/1987 باعتبار قواعده تظل قواعد خاصة وتتضمن مقتضيات أصلح للأجير وتقدم لذلك في تطبيقها على مقتضيات المادة 272 من مدونة الشغل التي استندت إليها المدعى عليها لتبرير حرمان المدعي من حقه المذكور، فإن ثبوت عدم تقيد الشركة بالتوصية التي تكشف عن الإخلال الصادر عنها في مواجهة المدعي والذي ثبتت عدم مشروعيته في النازلة، يشكل خطأ مرفقيا يرتب مسؤوليتها الإدارية بالنظر لقيام علاقته السببية مع الضرر اللاحق بالمدعي.
وحيث إنه لما كان تكريس سيادة القانون يبقى التزاما على عاتق الدولة، وكان من صلاحيات رئيس الحكومة باعتباره رئيسا للجهاز الإداري التدخل قصد ضمان تنفيذ توصيات الوسيط باتخاذ الإجراءات وتوقيع الجزاءات اللازمة في مواجهة الجهة الإدارية الممتنعة طبقا للمادة 31 من الظهير المذكور آنفا، فإن مسؤولية الدولة عن عدم تنفيذ توصية الوسيط في نازلة الحال تبقى قائمة بالتضامن مع شركة الخطوط الجوية الملكية، ما دام لم يثبت في الملف اتخاذ رئيس الحكومة أي إجراء في مواجهة الشركة المدعى عليها بغرض تنفيذ التوصية المذكورة أو اتخاذ أي تدابير قصد إنصاف المدعي ورفع الضرر الذي أصابه جراء القرار غير المشروع للشركة، خاصة وأن التوصية الصادرة بشأن الخرق المذكور جاءت مُتَضَمَّـنَة في التقرير السنوي برسم سنة 2013 الذي رفعه وسيط المملكة إلى جلالة الملك.
وحيث إنه بذلك يبقى خطأ الدولة ومؤسسة الخطوط الملكية المغربية ثابتا نتيجة عدم السهر على تنفيذ توصية الوسيط.
وحيث إنه بالنظر لكون تحديد قيمة الضرر اللاحق بالمدعي جراء عدم تنفيذ الشركة للتوصية الذي يتمثل في حرمانه من التذاكر مخفضة السعر، يرتبط بجوانب تقنية، فقد أمرت المحكمة بإجراء خبرة انتدب لها الخبير السيد أحمد الزهر، وهي الخبرة التي جاءت متقيدة بالأمر التمهيدي ومستجيبة للشروط الشكلية المتطلبة قانونا، مما ارتأت معه المحكمة الارتكان إلى مضمون هذا التقرير و خلاصاته مع إعمال سلطتها التقديرية في تقدير التعويض.
وحيث يتبين من الخبرة المنجزة أن الأضرار اللاحقة بالمدعي منذ صدور توصية الوسيط بتاريخ 26/12/2012 والتي تمثل فارق السعر بين ما كان ينبغي أداؤه من طرف المدعي وما أداه فعلا حسب الثابت من التذاكر التي أدلى بها، تصل قيمتها إلى 118.964,7 درهم، وأن الأضرار المترتبة عما فات المدعي من فرص نتيجة نقصان وتيرة رحلاته بالنظر للتكاليف الإضافية للتذاكر جراء حرمانه من التخفيضات التي كان يستفيد منها، تصل قيمتها إلى 40.000,00 درهم، أما الأضرار الناتجة عن الحرمان من التذاكر المخفضة خلال نفس المدة فقد ارتأت المحكمة حصرها بعد إعمال سلطتها التقديرية في مبلغ 20.000,00، فيكون المدعي مستحقا لمجموع هذه التعويضات كما سيرد بالمنطوق أدناه.
وحيث يتعين تحميل المدعى عليهم الصائر حسب النسبة تضامنا فيما بينهم.
لهذه الأسباب
حكمت المحكمة الإدارية علنيا ابتدائيا وحضوريا:
في الشكل: بقبول الطلب.
في الموضوع: بأداء الدولة ومؤسسة الخطوط الملكية المغربية تضامنا بينهما تعويضا إجماليا لفائدة المدعي قدره 178.946,70 درهما (مائة وثمانية وسبعون ألفا وتسعمائة وستة وأربعون درهما وسبعون سنتيما) وتحميلهما الصائر حسب النسبة تضامنا بينهما ورفض باقي الطلبات.
بهذا صدر الحكم في اليوم والشهر والسنة أعلاه ...................................................
الرئيـس المقــرر كاتب الضبط
via MarocDroit موقع العلوم القانونية http://ift.tt/20tOeNq
0التعليقات :