إِلَى السَّيد وَزِير العَدْل وَالحُريَّات .. المَوقِع الإِلِكترُونِي لِلوِزَارة لاَ يَلِيقُ بِنَا بقلم الدكتور نبيل محمد بوحميدي


إِلَى السَّيد وَزِير العَدْل وَالحُريَّات .. المَوقِع الإِلِكترُونِي لِلوِزَارة لاَ يَلِيقُ بِنَا بقلم الدكتور نبيل محمد بوحميدي
أعلنت وزارة العدل والحريات مؤخرا عن تجديد موقعها الرسمي، كما أعلنتم السيد وزير العدل والحريات أن تحديث الموقع كان بتكلفة صفر درهم؛ لنكن واضحين صادقين سيدي الوزير ولنفصل الأمور وأتمنى ان تكونوا ذوو صدر رحب لتَقَبُّل ملاحظاتي التي يمكن أن تكون صائبة، والتي يمكن أن تكون خاطئة.

سبق معالي الوزير أن راسلتكم بمقتضى مقال مفتوح ضد موقع الوزارة بتاريخ 29 ماي 2014 عبر موقع MarocDroit.com  وعبر عدد من المنابر الإخبارية تحت عنوان " مقال مرفوع إلى السيد وزير العدل و الحريات " إلتمست منكم من خلاله السهر على بلورة خطة عمل تهدف إلى الرفع من القيمة العلمية وكفاءة أداء الموقع الرسمي لوزارة العدل و الحريات بالمغرب.

وفي يوم الخميس 18 يونيو 2015 تم إطلاق نسخة جديدة للموقع بالموازاة مع إطلاق خدمة تطبيق الخدمات القضائية الإلكترونية، وبعد تثمين عدد مما أطلقتموه من خدمات إلكترونية، أود تنبيهكم إلى أن الموقع الإلكتروني للوزارة لا يليق بنا كدولة تظل أجهزتها تتحدث وبقوة على أننا دولة فتحت ورش إصلاح منظومة العدالة، بل والأكثر من ذلك تلقت دعما خارجيا في سبيل تحقيق هذا الإصلاح.

قبل كل شيء أود ان أشرح لكم سيِّدي الوزير أن إعادة هيكلة تصميم الموقع الذي بشرتمونا أنه كان بصفر درهم هو أصلا من الأمور التي لا تتطلب مبالغ مالية كبيرة لإنجازها، وأود أن أصحح لكم فقط أنه لم يتم بكلفة صفر درهم فمن خلال صفحتكم على الفايسبوك قلتم بالحرف " تم بحمد الله وتوفيقه إطلاق الموقع الجديد لوزارة العدل والحريات بصفر درهم واعتمادا على كفاءات الوزارة."، فهل وقت تلك الكفاءات التي تم الإعتماد عليها ليس وقتا مؤدى عنه؟ فتلك الكفاءات لها رواتب وتعويضات وأي عمل تقوم به يعتبر من قبيل العمل المؤدى عنه، على أي لن أطيل في هذه النقطة لعدم أهميتها، وكانت إشارتي إليها فقط قصد تدقيق الأمور، ولتذكيركم أنه يمكن خداع البعض لبعض الوقت، ويمكن خداع الكل لبعض الوقت، لكن لا يمكن خداع الكل كل الوقت؛ وللدعوة للإبتعاد عن الإشهار السياسي في مثل هذه الأمور، لأنكم وزيرا للعدل أتعلمون معنى ومقام وزير العدل إنه ذاك الذي سُمِّي يوماً بحارس الأختام؛

معالي الوزير أبدأ بالشعار الذي تم إختياره ليعلو الموقع من خلال يافطته   (Bannière) وهو كالتالي: "القضاء في خدمة المواطن" فلتسمحوا لي لأتجرأ نوعا ما وأقول أن هذا الشعار يوحي لي أن الأمر لا يخرج عن 3 إحتمالات:

 
الأول: أنه وُضع عن سوء نية في زمن يشهد تجاذبات عدة بخصوص إستقلال السلطة القضائية،

الثاني: أنكم كسلطة مكلفة بالعدل غير فاهمين لمعنى العدل وهذا أمر مستبعد طبعا مادمتم محاميا،

الثالث: أنكم غير مستوعبين أن الموقع عبارة عن بوابة تعبر عن مواقف وسياسة الوزارة، وبالتالي لم تراقبوا بذكاء وبتركيز ما يتضمنه هذا الموقع من شعارات؛

إن الشعار المنطقي الذي يجب ان يعلو يافطة موقع وزارة العدل والحريات هو " العدل في خدمة المواطن" لا القضاء في خدمة المواطن، فأنتم لستم على رأس سلطة مكلفة بالقضاء بل سلطة مكلفة بجميع مهن العدالة؛

إن الذي يليق بنا السيد الوزير أن يكون لنا موقع يحترم المغاربة وليس موقعا نزفُّه على أنه تم تنسيق محاوره بصفر درهم،

 إن الذي يليق بنا موقع يكون متفاعلا بشكل حقيقي وليس موقع نقرأ فيه البيانات والإعلانات بعد مرور أيام من نشرها في مواقع خاصة، ولي في الإعلان عن مباراة الملحقين القضائيين الأخيرة اكبر دليل حيث علم جميع المهتمين بالإعلان عن المباراة، ولم يتم الإعلان عنها عبر الموقع إلا بعد مرور يومين أو أكثر من يوم العلم بها وإنتشارها على صفحات الفايسبوك؛

وأذكر يوم الإعلان عن نتائج امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة (دورة 01 مارس 2015) ظل الكثيرون لساعات طوال يتعذر عليهم تحميل مطبوع النتائج، وكأن الأمر يتعلق بموقع لا إمكانيات له لتلقي زيارات عدة في وقت واحد لتحميل أحد منشوراته ! ! !

 وحتى بالنسبة للبيانات التي يتم نشرها عبر الموقع الرسمي للوزارة لتوضيح وقائع تنشرها الجرائد الخاصة الورقية منها والرقمية، وهي وقائع تستلزم بيانات مكانها الطبيعي هي الجريدة الناشرة للواقعة أو جرائد موازية؛ فحتى هذه البيانات وعلى فرض صوابية تصريفها عبر الموقع الرسمي للوزارة، فإنه يسجل عدم نشرها في الموقع إلا بعد مدة من تعميمها عبر المواقع الخاصة، كما أن المنطق يفرض نشر جميع البيانات التي يتم بلورتها، و ليس الإعلان عن بعضها عبر الموقع والبعض الآخر عبر إرسالها بشكل مباشر للإعلام الخاص دون نشرها عبر الموقع؛

إن الذي يهمنا هو ألاَّ يكون للموقع الرسمي لوزارة العدل والحريات صفر اهتمام، وليس أن يكون قد تم تجديده بصفر درهم؛

كل هذا من جانب ما هو شكلي، وأنتم تعلمون أهمية الجانب الشكلي في أبحاث الباحثين ومذكرات المحامين وأحكام القضاة، فكان من اللازم إثارته في هذا المقام؛

أما من ناحية ما هو موضوعي أخاطبكم السيد الوزير من منطلق باحث في العلوم القانونية ومتتبع لجميع جزئيات إصلاح منظومة العدالة، وكل المشاريع والمسودات التي تهدف إلى تحديث منظومة العدالة؛
أخاطبكم السيد الوزير لا لكي ألتمس منكم، فقد سبق أن إلتمست منكم منذ سنة السهر على بلورة خطة عمل تهدف إلى الرفع من القيمة العلمية و كفاءة أداء الموقع، وقلت لكم بالحرف في المقال المرفوع إليكم " إن العارض مؤمن بأن التفاؤل بالخير يؤدي إلى إيجاده، و حيث تبعا لذلك فهو مقتنع بأن طلبه سيتحقق آجلا أم عاجلا، وعليه يستعجلكم في تحقيقه في هذه الظرفية التي تشهد تحولات جذرية على مستوى الترسانة القانونية، و كذا على مستوى الممارسات المجتمعية"،

 إلا أنه لم يكن لملتمسي وقع عليكم على ما يبدو من الصيغة الأخيرة للموقع؛
أكتب لكم اليوم السيد الوزير لأشرح لكم ما لا تريدون فهمه، أو ما لم تستطيعون إستيعابه على ما يبدو من خلال عدد من مضامين مسودة القانون الجنائي التي تطاولت على تنظيم التواصل الإلكتروني بعقلية تعاني من الفجوة الرقمية؛

أكتب لكم لأقول أن موقع الوزراة بالرغم من ان الذين كلفوا بإعادة هيكلته كانوا موفقين إلى أبعد الحدود في صنع موقع راق من حيث الجمالية، إلا أنه تغيب عنه الكفاءة العلمية، فأين الأعمال التحضيرية لجميع المشاريع التي طرحتها الوزارة، أين تقارير مجموع النقاشات والندوات التي نظمتها الوزراة، أين الوثائق التي توثق مسار إعداد النصوص القانونية، أين أنتم من موقع وزارة العدل الفرنسية التي تفرض علينا كباحثين مغاربة في العلوم القانونية الرجوع إليها لفهم عدد من نصوصها القانونية، تعاندون الدولة الفرنسية في مسألة كيفية تطبيق إتفاقيات التعاون، فلتكونوا معاندين لها أيضا في المستوى العلمي للمعلومة القانونية والقضائية التي يقدمونها؛

هل تعلمون السيد الوزير أن جميع النقاشات السابقة للإصلاح الجنائي الذي شهده النظام القانوني الفرنسي إنطلاقا من السنة الماضية قد تم نشرها عبر الموقع الرسمي لوزارة العدل الفرنسية، نعم سيدي الوزير جميع النقاشات تم نشرها مكتوبة وبالصوت والصورة، ولم يكتفوا بنشر مداخلة الوزير فقط، إنها وزارة تحترم مواطنيها وتحترم الباحثين الاكاديمين منهم، ولا ينحصر همها في تصريف مواقف الوزير فقط؛
أتدرون لم أخاطبكم السيد الوزير لأن جنابكم ينتمي لحزب حاكم صدَّقناه عندما أوحى لنا أنه سيقود حكومة  ستأخذ على عاتقها تنزيل النظريات الراقية للإصلاح التي تم الإعلان عنها بالموازاة مع الحراك المغربي سنة 2011 والذي شهدنا شخصكم خلاله فاعلا ذا مطالب حقوقية جريئة ومتقدمة،

السيد الوزير أخاطبكم لأنني أطالع بشكل يومي موقع الوزارة، وحيث إن الأمر كذالك؛

وحيث إن التغيير الأخير لم يكن في المستوى المطلوب فإنني سأعيد تركيب الكلمات وفق ما أرغب أن يكون عليه الموقع، ووفق ما إلتمسته منكم منذ سنة،

و حيث إن الفصل 26 من الدستور ينص على أنه: "تُدعم السلطات العمومية بالوسائل الملائمة، تنمية  البحث العلمي، كما تسعى لتطويره، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة"؛

و حيث يجب إعتبار المواقع الإلكترونية الرسمية للوزارات من الوسائل العمومية الملائمة التي يستوعبها الفصل 26 المشار إليه؛

و حيث إن الموقع يعتمد في وجوده على نظام إلكتروني مؤدى عنه، و غير منتم للأنظمة الإلكترونية التي توفر منصة مجانية،

و حيث إنه للحفاظ على إستمراريته يتم أداء مصاريف مالية دورية لتمكينه من إسم النطاق
 ( Le nom de domaine  )، و من مساحة إستضافة مؤمنة ( Le serveur hébergeant )، وكل هذا يتم مقابل أداءات مالية،

و حيث يقينا يتم تخصيص ساعات عمل موظف أو أكثر، أو مكلف أو أكثر لتحيين الموقع ومراقبته،

و حيث إن مجموع هذه الأداءات والمصاريف تؤدى من ميزانية الوزارة كسلطة مكلفة بالعدل،

و حيث تبعا لذلك تعتبر المواقع الإلكترونية الرسمية من الوسائل التي يجب أن تعتمدها السلطات العمومية لتيسير الولوج إلى المعلومة؛

و حيث ينص الفصل 33 من الدستور المغربي على أنه على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات؛

و حيث ورد في المخطط الإجرائي لتنفيذ ميثاق إصلاح منظومة العدالة  إجراءات تفصيلية عدة تهدف إلى توفير الإعلام القانوني والقضائي للمواطنات   والمواطنين، و تسهيل ولوجهم مجانا إلى المعلومة القانونية والقضائية،

و حيث إن الموقع الرسمي للوزارة المشرفة على بلورة هذا الهدف يفترض فيها تكريس ممارسات تفرض ـ على الذين سيكلفون بتحقيق الهدف الإجرائي المذكور، وعلى القائمين المقبلين على تصريف مهام السلطة المكلفة بالعدل ـ الإلتزام بها؛

و حيث إنه بإعتماد الباحثين على مواقع رسمية  لوزارات ومؤسسات عدة وهي مواقع ذات جودة عالية بالنسبة لباحث أكاديمي، تعطي الإنطباع بتحقق إمكانية إيجاد الوزارة لموقع إلكتروني يعتمد عليه كمرجع رسمي للحصول على معطيات ذات قيمة علمية؛

و حيث إنه من باب أولى يجب أن يرسم الموقع معالم الطريق لجيل يدرس القانون ويعتمد بشكل قوي في معاملاته وتصرفاته وتكوين ثقافته على الأنترنت،

و حيث من المعول عليه أن يكون الموقع طريقا معبدا لإكتساب ثقافة قانونية دينها وديدنها الدقة     والوثوقية والتجدد،

و حيث إن الموقع تحت إمرة سلطة عمومية و يشكل جزءا من مرفق عام فإنه من اللائق ان يكون مدخلا لجميع المعلومات الموجودة في حوزة السلطة المسيرة له،

و  حيث إنني سيدي الوزير لا أسعى  إلاَّ إلى الإسهام في النقاش العام من اجل الطموح المشترك في تحقيق مغرب ممكن، و تكريس دولة الحق و القانون،

فإنني أود أن أؤكد لكم أن الموقع الحالي لا يرقى إلا مستوى عقد ندوة صحفية للإعلان عن إنطلاقه؛
وأن أي راغب في وجود موقع إلكتروني رسمي لوزارة العدل والحريات يسمح له بالحصول على المعلومة القانونية والقضائية التي ستساهم في تنمية البحث العلمي في مجال العلوم القانونية، على غرار ما يجده من معطيات ومعلومات في مواقع وزارات العدل للدول التي يتم إعتمادها في الدراسات المقارنة، سيحس بأن رغبته وحاجاته لا تتحقق من خلال موقع الوزارة؛

و حيث من المفترض ان الموقع الرسمي للوزارة يشكل مجالا للفاعلين الوطنيين والدوليين،  للإطلاع على وضعية العدالة ووضعية الترسانة القانونية خاصة وأنه لنا تمويلات اجنبية، إلا أنه لم يكن الموقع في المستوى المطلوب؛

نحن في فترة مناسبة جدا للرفع من مستوى أداء الموقع الرسمي لوزارة العدل والحريات مادامت هذه الوزارة هي الساهرة على بلورة أهم النصوص القانونية، وفي خضم لحظة تاريخية تفرض النقل السلس للمعلومة القانونية والقضائية المنتجة مهنيا وعلميا؛ إلا أنه لم تكن لكم جرأة فتح المجال أمام الباحثين والمهتمين للولوج إلى أهم المعلومات المتعلقة بهذه النصوص،

إن المغرب اليوم يتوفر على قواعد دستورية تؤصل للحق في المعلومة ولِحَقِّ الشباب في المساهمة في صناعة وتتبع وتقويم السياسات العمومية، إلا أن بلورة موقع الوزارة تم بشكل بعيد جدا عن هذا الواقع؛
السيد الوزير عذرا لتطاولي لكنكم صدقا لم تكونوا على قدر أهل العزم في مسألة إيجاد موقع إلكتروني لوزارة العدل والحريات ذا مستوى علمي عال، ولم تكونوا في مسألة نشر المعلومة القانونية والقضائية من الذين يمكن ان نقول في حقهم على قدر الكرام تأتي المكارم٠

رمضان مبارك سيدي الوزير ٠                     



via MarocDroit موقع العلوم القانونية http://ift.tt/1HifEz5