http://www.marocdroit.com/photo/art/default/5927807-8832765.jpg
الدكتور علي عمار جامعة تلمسان الجزائر.
المـــقدمــــــــــة :
أبحث عن سمات الإنسان المشرقة تجدها في القاضي النزيه ، البعيد عن مغريات الحياة المتلونة بزخارفها الكاذبة بأباريقها التي لا تدوم إلا للقاضي الواحد الأوحد جلّ جلاله ، القاضي الذي عرف الناس قدره فقدروه وقدروا فيه أن الحق في معتقده كالبر ، خيره عاجله ، وأن العدل المؤجل هو بعض إزهاق حق ، وأن القاضي مع عزيمته وعلمه على موعد مستمر في سبيل ما اعتقد حتى عزّ به وبعلمه وغريمته اللحاق نحو الأفاق ، لا يتردد في أن يصون حرية رأي المواطن ويحميه من تعسف مسئولي الدولة ومؤسساتها ويفسر النصوص على النحو الذي يجعل القضاء ضمانا وكافلا لهذه الحياة وهذه الحرية إذا تقاعست عنها السلطات الأخرى. قاض باستطاعته تكييف الدعوى بجرأة تجاوبا مع ما يمليه عليه ضميره ، وروح المواطنة الصحيحة المعتقة من بعض الأنانيات المفرقة طابت نفس المتقاضين بالقرار الطلائعي الصادر عن المحاكم.
القاضي هو يدرك أن الحق و العدل في مفهوميهما المطلق خاصيتان من خصائص الله تعالى ، لا يتصور لهما العيش الطويل المعصوم بين البشر – مهما سمت النفوس –إلا عن طريق الرموز و الكنايات.
فالمنصة للقاضي و الأزياء الاحتفالية والأدوار والصيغ والدرجات والعناوين والشعارات هي كلها مصطلحات ومراسم ومحطات في هذا الطريق الذي يهدف إلى بلوغ الحق ، و الذي يشارك فيه القاضي و المحامي عبر رسالتين ، بل مسيرتين متكاملتين من أجل إدراك الضالة المنشودة ، كان لا مناص للمجتمع في النتيجة أن يرضى مكرها بالعدل السامي تلفظه الشفاه البشرية.
1- سياق الموضـــوع :
لقد نصت المادة : 187 من قانون الإجراءات المدنية على ما يلي :
» يجوز لرئيس الهيئة المختصة بالقضاء المستعجل ، باتفاق الخصم ، أن يأمر باتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق يكون ضروريا للفصل في نزاع يحتمل حصوله « .(1) .
سوف نتناول في دراستنا هذه ركن من أركان اختصاص القضاء الاستعجالي الذي حددته صراحة المادة : 187 من قانون الإجراءات المدنية وللإشارة فإننا لن نتناول أركان صلاحيات القضاء الاستعجالي الأخرى.
كما أننا لن نتناول الاستعجال القضائي كركن من أركان اختصاص رئاسة المحكمة كهيئة للتنفيذ ، ولا الاستعجال القضائي في القانون الإداري ولا الاستعجال القضائي في التدابير المؤقتة فيما يتعلق بالضرائب.
غير أنا دراستنا ستتناول مفهوم الاستعجال القضائي في القضايا المدنية و التجارية.
وعندما نتكلم عن القضايا المدنية إنما نعني بذلك القضايا المرفوعة إما أمام القضاء المدني ، وأما أمام القضاء الجزائي : إذ أن من حق القضاء الاستعجالي ، أن توفرت تدابير مؤقتة بشأن دعوى الحقوق الشخصية ولو كانت عالقة أمام محاكم الجزاء.
كما سيتناول بحثنا الاستعجال في القضايا الاستعجالية هذه سواء بث فيها قاضي الأمور الاستعجالية بموجب سلطته الأمرية أو سلطته القضائية.
ولا بد من التذكير في المقام بأن السلطة القضائية يجب أن تتوفر فيها ثلاث شروط نذكر على التوّ :
ويمارس قاضي الأمور الاستعجالية سلطته الأمرية عندما يتخذ قرارات بذيل العرائض ، كما هو الحال عندما يتم تعيين خبير لإجراء معاينة تقنية وفق أحكام المادة : 48 من ق.إ.م. أو عندما يعين خبير لإجراء معاينة مادية وبدون وجود نص شريطة أن تتوفر الاستعجالية ، وألا يمس التدبير المطلوب الأساس ، وأن يفقد التدبير المطلوب فائدته إذا أعلم به هو موجه ضده.
وسواء نظر قاضي الأمور الاستعجالية في الدعوى المرفوعة أمامه وفق قواعد الصلاحيات القانونية ، أو بفعل بند صلاحية (Clause Attribution de Compétence ) يجب أن يتأكد من توفر شروط اختصاصه ومن ضمنها الاستعجالية.( 2 ) .
وحتى أنه في حالة وجود بند فاسخ ، أو بند إلغاء حكمي ، عليه أن يتأكد من توفر الاستعجالية ليحفظ اختصاصه.
فالاستعجالية هي إذن علة وجود القضاء الاستعجالي ، وهي مقياسه. غير أن الاستعجالية (Urgence) ليست السرعة (Célérité).
فما هي الاستعجالية القضائية إذا ؟
2- مفهوم الاستعجالية :
إن المادة : 187 من قانون الإجراءات المدنية ، وإن أجازت ولوج باب القضاء الاستعجالي في كل تدبير استعجالي ، غير أنها لم تحدد بدقة مفهوم الاستعجالية ، وماذا يقصد بها ؟ ! مع أن هذا المفهوم يعتبر ذا أهمية بالغة غير أن تحديده يبقى صعب ومعقد للغاية ، ولهذا السبب :
- نلاحظ فقهاء الفقه بفرنسا يشبهون الاستعجالية بالسرعة المنصوص عليها في المادتين : 49 و 72 من قانون الأصول المدنية الفرنسي ويميزها عنها على اعتبار أن السرعة حسب هذين النصين تبرر تقصير المهل وإخضاع الدعوى لأصول موجزة كما جاء صراحة في المادتين : 372 و 391 من الأصول المدنية الفرنسية المعدلة بقانون أول ماي 1938. (فهناك فرق على أن القانون الجزائري يتحدث صراحة عن الاستعجالية ((Urgence) ، وليس عن السرعة). غير أنها تجيز مراجعة القضاء الاستثنائي.( 3 ) .
فالاستعجالية كما يبدو حاملة بالحاق على العمل دون مهلة أكثر من السرعة. ومع ذلك تبقى على درجات : فهناك الاستعجالية والاستعجالية القصوى.
ولكن متى يمكن القول بوجود استعجالية ؟ !.
- تعتمد الأحكام و القرارات للقول بوجود استعجالية التأخير بالبث ( Retard à Statuer). و الضرر الذي ينتج عن التأخير(Péril en la Demeure). والضرر الذي لا يعوّض (Préjudice Irréparable). غير أن واحد منها يعرّف الاستعجالية أو الخطر المداهم الواجب دفعه.( 4 ) .
ومع ذلك يبقى أن القضاء الاستعجالي قد وجد لتلافي البطء الناشئ عن استعمال الأصول العادية ، ويلجأ إليه كلما تكون الأصول العادية عاجزة عن حلّ النزاع في الوقت المناسب. وعليه يكون للاستعجالية طابع نسبي ، أي أن تفسير مفهومها يكون واسعا أو ضيقا حسب الحالات و حسبما تكون الإجراءات أمام محاكم الموضوع سريعة أو بطيئة بالنسبة لكل محكمة.
وتبدو إذن كالفائدة التي ترجى من تقرير تدبير مؤقت يستحيل الحصول عليه بإفادة وفي الوقت المناسب من محكمة الموضوع بمراجعة عادية.
- ويعود لكل قاضي أمور استعجالية القول ، وفي كل قضية معينة ما إذا كان هناك ضرر بالغ يلحق بالأطراف ويتحملونه من جراء بطء الإجراءات أمام محكمة الموضوع ، مما يؤدي إلى اختلاف الآراء بين القضاة ، اختلافات كبيرة أحيانا ، وذلك نظرا لأهمية سلطات هذا القاضي التقديرية. وإن حرية هذا القاضي في التقدير هي التي وسّعت بلا انقطاع نطاق القضايا الاستعجالية.
- ومهما يكن الحال فإنه يجب التميز بين السرعة في تقديم الدعوى والاستعجالية التي ليست وليدة تصرفات الأطراف ونتاج همتهم ، بل وليدة طبيعية القضية.
ونستنتج من ذلك أنه لا يجوز لشخص أن ينشئ بفعله حالة معينة ليستند إليها ويطالب باتخاذ تدبير استعجالي على ضوئها ، لأن مفهوم الاستعجالية يختل في مثل هذه الحالة.
- ذلك أن تقدير توفر عنصر الاستعجالية يجب أن يتم في الوقت الذي يحكم فيه القاضي الأمور الاستعجالية وليس في الوقت الذي قدّم فيه الطلب.
وعلى كل حال ومهما كانت المقاييس المعتمدة لتعريف الاستعجالية بالمقارنة أو بغيرها من الطرائق ، فإنه يجب أن يكون في التدبير المطلوب صيانة لمصالح مادية ومعنوية مشروعة ، وأن يكون سبب الخطر والاستعجالية في البث ، وأن يكون الضرر أو الخطر طابع مميز.
3- صيانة المصالح المادية و المعنوية المشروعة :
أ- إن المصالح المادية التي يمكن لأصحابها طلب اتخاذ تدابير استعجالية لحمايتها كثيرة و متشعبة ، بل وهي تتعلق بأكثريتها بالممتلكات وخاصة بالنسبة لحماية حقوق الملكية. غير أن البعض منها يتعلق بالحقوق المعنوية كحق المؤلفين و الفنانين الذي يمكن أن تستدعي الاستعجالية حمايته بتدابير مؤقتة يتخذها القضاء الاستعجالي.
ب- وزيادة على الممتلكات فهناك مصالح معنوية تفوق أهمية المصالح مثل سلامة جسد المرء و حريته المادية و المعنوية ، وسلامة عمله وحرية معتقده ، وحماية شرفه واعتباره ، والحقوق الناشئة عن الزواج وحقوق الوالدين وكل حق تولده روابط المحبة.
جـ- وقد ينشأ الخطر الذي يهدد هذه المصالح المادية والمعنوية ، فجـأة كما ينشأ عن فعل الغير بسبب تعارض المصالح و الحقوق ، وأن تضارب المصالح هذا لا يحول دون اختصاص القضاء الاستعجالي لأنه ينفي الاستعجالية. لكنه يضع على بساط البحث ركنا آخر من أركان القضاء الاستعجالي عنينا التصدي للأساس.
4- التأخير في الفصل هو سبب الخطر و الاستعجالية :
للحديث عن استعجال ، فإنه يستحيل حسم النزاع وفق الأصول العادية دون ضرر محتم ، لأن سبب الضرر الواجب تلافيه ، هو دائما وعلى الأقل جزئيا ، هوينا القضاء التي لا مفرّ منها ، فلولاها لما كانت دعت الحاجة لإيجاد القضاء الاستعجالي و إجراءاته الاستثنائية. فالاستعجالية تبرز عن المقابلة بين الحقوق و المصالح ، من الخطر الذي يهددها والبطء في المحاكمة العادية.
ويبدو أن هذا المعيار مغريا إلى درجة اعتماده خطأ واعتبار أن البطء في الفصل لوحده كاف لتكوين الاستعجالية كالقرار الذي يعلن مفيدا وعادلا وضع حد لوسائل المطل و التسويف.( 5 ) .
وقد لاحظنا نحن هذا الرأي في كثير من جلسات المحاكم الاستعجالية وسنضرب مثلا على توفر الاستعجالية بسبب كون الحق المطلوب تدبير بشأنه ، ولا يتحمل أي تأخير ، وبسبب كون مراجعة القضاء العادي والخضوع لأصول المحاكمة لديه والبطء في فصل المنازعة من قبله يجعل الضرر محتم الوقوع. وهذا المثل مأخوذ من قضايا استعجالية صادرة عن محاكم استعجالية فصلت في الأمور الاستعجالية.
ويتضح مما تقدم ومن وقائع هذه القضية : أن امرأة طلبت من شركة للدفن نقل جثمان زوجها من ... وإلى ... ثم في آخر لحظة أرسلت برقية إلى نفس الشركة تطلب فيها التوقف عن الشحن. غير أن سيارة الإسعاف كانت قد انطلقت وسافرت. وعندما وصلت سيارة الإسعاف إلى مكان الإقامة ، رفض مدير الشركة الحريص على مصالحه تسليم النعش لأصحابه مادام أن الفاتورة لم تدفع بحجة منازعتها في القيمة الواردة فيه.
فقاضته الزوجة أمام قاضي الأمور الاستعجالية في مكان الإقامة الذي أمر بالتسليم.( 6 ) .
مما تقدم يتضح أنه على القضاء الاستعجالي ، قبل إصدار قراره ، أن يأخذ بعين الاعتبار مهل المحاكمة أمام قضاء الموضوع.
5- طابع الضرر أو الخطر المميز :
وباعتبار الاستعجالية غير متوفرة إذا طلبت شركة كهرباء مثلا قطع التيار عن شركة أخرى بحجة رفضها توقيع البوائص طالما أنها أعطتها التيار لمدة سنوات بدون بوائص، أو إذا طلبت جدة مثلا : ولدت لديها محبة حفيدها فجأة ، تسليمه إليها بعد أن تركته لمدة سنوات. ( 7 ) .
6- التدابير المؤقتة في المواضيع المختلفة :
ولا نعتقد أن هؤلاء البعض محق فيما ذهب إليه، لأن صلاحية القضاء الاستعجالي صلاحية مطلقة تتعلق بالتنظيم القضائي وبالتالي بالنظام العام، ولا يجوز للأطراف مخالفة قواعد الصلاحية المطلقة، وإذا خالفوها في اتفاقاتهم وجب ألا يتقيد القاضي بها، وعليه إعلان عدم اختصاصه ما لم تكن شروط اختصاصه المنصوص عليها في المادة :187 من قانون الإجراءات المدنية متوفرة و الاستعجالية من ضمنها.
وخلافا لما تقدم اتجهت بعض القرارات إلى القول بوجوب توفر استعجالية قصوى وماسة حتى يجوز للقضاء الاستعجالي التدخل (قرارات المحكمة العليا). ( 9 ) .
وقد اتجهنا نحن هذا الاتجاه فيما يتعلق بحق المرور لعقار محاط.
إلا أن محكمة التمييز الفرنسية قد تخلت عن مثل هذا الشرط واتبعتها في ذلك المحاكم الدنيا.
8- حل الملكية و التدابير الكيفية :
مبرر الأشغال قد ألغي بفعل نص إلغاء حكمي (أن هذا النص الذي يعفي من مراجعة القضاء صحيح في اعتقادنا، ويعود للقضاء الاستعجالي أن يقرر الإخلاء إذا كان المالك مثلا أرسل إنذارا، وانقضت مهلة المدة القانونية المنصوص عليها في القوانين الاستثنائية إذا كان عقد الإيجار يخضع لأحكام هذه القوانين. غير أن الإعفاء من إرسال الإنذار في ظل أحكام القوانين الاستثنائية باطل).
وذلك لأن الاستعجالية متوفرة في مثل هذه القضايا، فإبقاء الشاغل دون حق يحول دون استعادة المالك حرية التصرف بملكه واستعماله مما يلحق به ضررا لا يعوض.
وبصفة عامة كل مرة يخرق حق الملكية أو تخرق الحريات الفردية أو وضع هادئ ، ولو كان وضعا واقعيا، سواء كان الخرق بطريقة الإكراه أو بطريقة غير مشروعة كالتدابير الكيفية تكون الاستعجالية متوفرة، ويكون القضاء الاستعجالي صالحا لاتخاذ تدابير من شأنها حماية هذه الحقوق و الأوضاع واحترامها.
9- تقدير قاضي الاستعجالية المطلق لتوفر الاستعجالية ورقابة محكمة التمييز:
الاستعجالية مفهوم نسبي، يتكلم القاضي على أركان القضية ويلحظ أن خطرا ما يهدد مصالح أحد الأطراف، ثم يستخلص طابع الاستعجالية لاتخاذ قراره.
بعبارة أخرى، فإن القاضي يقدر الواقع المعروض عليه ويصف التدابير المطلوبة. إن هذا الوصف يجب أصلا، أن يخضع لرقابة محكمة التمييز، لأنه تحديد للاستعجالية. فلا شك أن هذا التحديد معقد ومختلط بظروف القضية المفصولة ، لكن تبقى له صفة التحديد، أو ليس من واجب المحكمة العليا أن تسهر على ألا يعلن القضاة توفر الاستعجالية إلا في الحالات التي تتوفر فيها فعلا ؟ !
لكن ما هي القاعدة القانونية التي تمكنّها من رقابة هذا التقدير ؟
فإذا كانت المسألة تتعلق بتطبيق مفهوم من المفاهيم الغامضة غير الدقيقة تتصرف المحكمة العليا بحكمة وتبصر، إذ تقيم قرينة على صحة تقديرات قضاة الأساس وتتجنب بذلك نقد الوصف الذي اعتمدوه نظرا لكونهم عرفوا الوقائع بشكل مباشر خلافا لما هو وضعها. وهذا يعني أنها في هذه الحالات مع احتفاظها بمبدأ رقابتها تكثر رد طلبات النقض. لأن الاستعجالية هي دوما وبطبيعتها ممزوجة بتقدير شخصي، لفقدان المعيار الموضوعي لتحديدها، ولأن مفهوم الاستعجالية محصور بكل قضية ولا ينفصل عن وقائعها الخاصة. وعليه تعتبر محكمة التمييز أن تقدير توفر الاستعجالية خاضع لسلطان محاكم الأساس المطلق.
ولعل مرد ذلك هو أن مسألة الاستعجالية يخلط فيها الواقع و القانون وأن مثل هذه العوامل لا تقبل أمام محكمة التمييز، ويجب أن تكون مسألة عدم توفر الاستعجالية قد عرضت على محكمة الاستئناف ، ويتوجب على هذه المحكمة أن تتأكد من توفرها في حكمها. فإن لم تعلن توفر الاستعجالية ، فإنها لا تكون قد بينت أركان اختصاصها، ويحق لمحكمة التمييز في مثل هذه الحالات إجراء رقابتها.
10- أثار الاستعجالية لتعديل الصلاحية :
11- استمرار صلاحية القضاء الاستعجالي رغم مراجعة محكمة الأساس :
أصلا اعتبرت بعض المحاكم ، أنه منذ وضع قضاة الأساس يدهم على النزاع ترتفع يد القضاء الاستعجالي. إلا أن الرأي السائد حاليا هو أن مراجعة محكمـة الأساس لا تنـفي اختصاص القضاء الاستعجالي ، إذا كانـت شـروط
اختصاصه المنصوص عليها في المادة : 187 ق. :إ.م. هذا ولا يمكن الحديث بسبق ادعاء لاختلاف الموضوع بين الدعوى لدى قضاة الأساس و القضاء المستعجل.
كما أنه لا ترتفع يد القضاء المستعجل إلا إذا أصبحت الدعوى أمام محكمة الاستئناف حتى ولو كانت الدعوى الاستعجالية مرفوعة أمام القضاء الاستعجالي قبل استئناف دعوى الأساس ، أي أن قاضي الأمور الاستعجالية يبقى صالحا إذا كانت الدعوى رفعت إليه قبل وضع محكمة الاستئناف يدها على دعوى الأساس. ( 12 ) .
12- الخــــلاصـــــــــة:
أشارت محكمة استئناف إفريقيا الاستوائية الفرنسية في قرار لها صادر بتاريخ 07/04/1948 : » إن الاستعجالية تبتدئ حيث يقف حق فريق ويخرق حق فريق آخر، وتنشأ ضرورة ملحة لوضع حد لهذا الخرق « .
إن هذا المفهوم واسع وضيق بآن واحد : إذ أن حصر الاستعجالية في الحالة التي تكون فيها الحق قد خرق يحدّ كثيرا من نطاقها ، إن يمكن القول بوجود استعجالية كل مرة تجب المحافظة على أوضاع واقعية ، أو قانونية هادئة ، وكل مرة يجب دفع خطر محدق غير أن قاضي الأمور الاستعجالية غالبا ما يكون غير صالح للقول أين يبتدئ وينتهي حق ما.
فهو يلحظ وجود وضع هادئ أو مصلحة مشروعة ـ أو حق معين ويتأكد من أن خطرا يحق بها أو بأحدها وأنه من شأن اتباع الأصول العادية الأضرار بها، ويستخلص صفة الاستعجالية بالنسبة للتدبير المطلوب اتخاذه وبالنسبة للقرار الذي يتخذه.
وإذا كان قد استحال علينا تحديد مفهوم الاستعجالية ، يمكننا أن نختم حديثنا بالقول أن سببها الدائم هو تطويل المحاكمات الذي لا مناص منه وتفترض قيام خطر ناتج عن ظروف القضية يتفاقم بسبب بطء إجراءات المحاكمة ، أو كأمن في الضرر الذي يمكن لمهل المحاكمة العادية أن تلحقه بالمصالح المشروعة العادية والمعنوية.
مــــــــراجـــــــع البــــحــــــث
1ـ أ/سائح سنفوقه – قانون الإجراءات المدنية – ط/1 – دار الهدى 2001 الجزائر.
2ـ د. الغوثي بن ملحة – القانون القضائي الجزائري – ط/2 – د.و.أ.ت 2000 الجزائر.
3 ـ د. محمد حسين – طرق التنفيذ في قانون الإجراءات المدنية الجزائري ط/2 – د.م.ج 1990 – الجزائر.
4 ـ د. الغوثي بن ملحة – قواعد وطرق الإثبات – ط/1 – د. و.أ. ت 2001 – الجزائر.
5ـ قرار المحكمة العليا رقم 51263 بتاريخ : 30/04/1989.
6ـ الـمـجــلــة القضـائــيــة عــدد ( 04 ) 1991 - ص 141.
ـ7Vasseur : Urgence et droit civil in Revu. trim. . de Dr .civ.
1954 - 405.
ـ8Francis : Essai sur la notion d'urgence et de provision
dans la procédure de Référé (Thèse Toulouse
1935).
ـ9Michaud : La notion d'urgence en droit Judiciaire (Thèse
Paris 1944).
ـ10Roubier : Théorie Générale du droit édit , 1951 . P .326
et 117.ـ11Gabolde : Essai sur le notion d,urgence en
administratifs )thèse paris 1951 12 ـRevue trim. . de droit civil , 1950 suivi. 1951
أبحث عن سمات الإنسان المشرقة تجدها في القاضي النزيه ، البعيد عن مغريات الحياة المتلونة بزخارفها الكاذبة بأباريقها التي لا تدوم إلا للقاضي الواحد الأوحد جلّ جلاله ، القاضي الذي عرف الناس قدره فقدروه وقدروا فيه أن الحق في معتقده كالبر ، خيره عاجله ، وأن العدل المؤجل هو بعض إزهاق حق ، وأن القاضي مع عزيمته وعلمه على موعد مستمر في سبيل ما اعتقد حتى عزّ به وبعلمه وغريمته اللحاق نحو الأفاق ، لا يتردد في أن يصون حرية رأي المواطن ويحميه من تعسف مسئولي الدولة ومؤسساتها ويفسر النصوص على النحو الذي يجعل القضاء ضمانا وكافلا لهذه الحياة وهذه الحرية إذا تقاعست عنها السلطات الأخرى. قاض باستطاعته تكييف الدعوى بجرأة تجاوبا مع ما يمليه عليه ضميره ، وروح المواطنة الصحيحة المعتقة من بعض الأنانيات المفرقة طابت نفس المتقاضين بالقرار الطلائعي الصادر عن المحاكم.
القاضي هو يدرك أن الحق و العدل في مفهوميهما المطلق خاصيتان من خصائص الله تعالى ، لا يتصور لهما العيش الطويل المعصوم بين البشر – مهما سمت النفوس –إلا عن طريق الرموز و الكنايات.
فالمنصة للقاضي و الأزياء الاحتفالية والأدوار والصيغ والدرجات والعناوين والشعارات هي كلها مصطلحات ومراسم ومحطات في هذا الطريق الذي يهدف إلى بلوغ الحق ، و الذي يشارك فيه القاضي و المحامي عبر رسالتين ، بل مسيرتين متكاملتين من أجل إدراك الضالة المنشودة ، كان لا مناص للمجتمع في النتيجة أن يرضى مكرها بالعدل السامي تلفظه الشفاه البشرية.
مفهوم القضاء الاستعجالي و القضايا الاستعجالية.
1- سياق الموضـــوع :
لقد نصت المادة : 187 من قانون الإجراءات المدنية على ما يلي :
» يجوز لرئيس الهيئة المختصة بالقضاء المستعجل ، باتفاق الخصم ، أن يأمر باتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق يكون ضروريا للفصل في نزاع يحتمل حصوله « .(1) .
سوف نتناول في دراستنا هذه ركن من أركان اختصاص القضاء الاستعجالي الذي حددته صراحة المادة : 187 من قانون الإجراءات المدنية وللإشارة فإننا لن نتناول أركان صلاحيات القضاء الاستعجالي الأخرى.
كما أننا لن نتناول الاستعجال القضائي كركن من أركان اختصاص رئاسة المحكمة كهيئة للتنفيذ ، ولا الاستعجال القضائي في القانون الإداري ولا الاستعجال القضائي في التدابير المؤقتة فيما يتعلق بالضرائب.
غير أنا دراستنا ستتناول مفهوم الاستعجال القضائي في القضايا المدنية و التجارية.
وعندما نتكلم عن القضايا المدنية إنما نعني بذلك القضايا المرفوعة إما أمام القضاء المدني ، وأما أمام القضاء الجزائي : إذ أن من حق القضاء الاستعجالي ، أن توفرت تدابير مؤقتة بشأن دعوى الحقوق الشخصية ولو كانت عالقة أمام محاكم الجزاء.
كما سيتناول بحثنا الاستعجال في القضايا الاستعجالية هذه سواء بث فيها قاضي الأمور الاستعجالية بموجب سلطته الأمرية أو سلطته القضائية.
ولا بد من التذكير في المقام بأن السلطة القضائية يجب أن تتوفر فيها ثلاث شروط نذكر على التوّ :
- أن يكون متسلم السلطة قاضيا (الجانب المهني).
- أن يقوم بوظيفته بعد دعوة الطرفين (الجانب الأصولي) أصلا.
- أن يفصل نزاعا قائما بين الطرفين (الجانب المادي).
ويمارس قاضي الأمور الاستعجالية سلطته الأمرية عندما يتخذ قرارات بذيل العرائض ، كما هو الحال عندما يتم تعيين خبير لإجراء معاينة تقنية وفق أحكام المادة : 48 من ق.إ.م. أو عندما يعين خبير لإجراء معاينة مادية وبدون وجود نص شريطة أن تتوفر الاستعجالية ، وألا يمس التدبير المطلوب الأساس ، وأن يفقد التدبير المطلوب فائدته إذا أعلم به هو موجه ضده.
وسواء نظر قاضي الأمور الاستعجالية في الدعوى المرفوعة أمامه وفق قواعد الصلاحيات القانونية ، أو بفعل بند صلاحية (Clause Attribution de Compétence ) يجب أن يتأكد من توفر شروط اختصاصه ومن ضمنها الاستعجالية.( 2 ) .
وحتى أنه في حالة وجود بند فاسخ ، أو بند إلغاء حكمي ، عليه أن يتأكد من توفر الاستعجالية ليحفظ اختصاصه.
فالاستعجالية هي إذن علة وجود القضاء الاستعجالي ، وهي مقياسه. غير أن الاستعجالية (Urgence) ليست السرعة (Célérité).
فما هي الاستعجالية القضائية إذا ؟
2- مفهوم الاستعجالية :
إن المادة : 187 من قانون الإجراءات المدنية ، وإن أجازت ولوج باب القضاء الاستعجالي في كل تدبير استعجالي ، غير أنها لم تحدد بدقة مفهوم الاستعجالية ، وماذا يقصد بها ؟ ! مع أن هذا المفهوم يعتبر ذا أهمية بالغة غير أن تحديده يبقى صعب ومعقد للغاية ، ولهذا السبب :
- نلاحظ فقهاء الفقه بفرنسا يشبهون الاستعجالية بالسرعة المنصوص عليها في المادتين : 49 و 72 من قانون الأصول المدنية الفرنسي ويميزها عنها على اعتبار أن السرعة حسب هذين النصين تبرر تقصير المهل وإخضاع الدعوى لأصول موجزة كما جاء صراحة في المادتين : 372 و 391 من الأصول المدنية الفرنسية المعدلة بقانون أول ماي 1938. (فهناك فرق على أن القانون الجزائري يتحدث صراحة عن الاستعجالية ((Urgence) ، وليس عن السرعة). غير أنها تجيز مراجعة القضاء الاستثنائي.( 3 ) .
فالاستعجالية كما يبدو حاملة بالحاق على العمل دون مهلة أكثر من السرعة. ومع ذلك تبقى على درجات : فهناك الاستعجالية والاستعجالية القصوى.
ولكن متى يمكن القول بوجود استعجالية ؟ !.
- تعتمد الأحكام و القرارات للقول بوجود استعجالية التأخير بالبث ( Retard à Statuer). و الضرر الذي ينتج عن التأخير(Péril en la Demeure). والضرر الذي لا يعوّض (Préjudice Irréparable). غير أن واحد منها يعرّف الاستعجالية أو الخطر المداهم الواجب دفعه.( 4 ) .
ومع ذلك يبقى أن القضاء الاستعجالي قد وجد لتلافي البطء الناشئ عن استعمال الأصول العادية ، ويلجأ إليه كلما تكون الأصول العادية عاجزة عن حلّ النزاع في الوقت المناسب. وعليه يكون للاستعجالية طابع نسبي ، أي أن تفسير مفهومها يكون واسعا أو ضيقا حسب الحالات و حسبما تكون الإجراءات أمام محاكم الموضوع سريعة أو بطيئة بالنسبة لكل محكمة.
وتبدو إذن كالفائدة التي ترجى من تقرير تدبير مؤقت يستحيل الحصول عليه بإفادة وفي الوقت المناسب من محكمة الموضوع بمراجعة عادية.
- ويعود لكل قاضي أمور استعجالية القول ، وفي كل قضية معينة ما إذا كان هناك ضرر بالغ يلحق بالأطراف ويتحملونه من جراء بطء الإجراءات أمام محكمة الموضوع ، مما يؤدي إلى اختلاف الآراء بين القضاة ، اختلافات كبيرة أحيانا ، وذلك نظرا لأهمية سلطات هذا القاضي التقديرية. وإن حرية هذا القاضي في التقدير هي التي وسّعت بلا انقطاع نطاق القضايا الاستعجالية.
- ومهما يكن الحال فإنه يجب التميز بين السرعة في تقديم الدعوى والاستعجالية التي ليست وليدة تصرفات الأطراف ونتاج همتهم ، بل وليدة طبيعية القضية.
ونستنتج من ذلك أنه لا يجوز لشخص أن ينشئ بفعله حالة معينة ليستند إليها ويطالب باتخاذ تدبير استعجالي على ضوئها ، لأن مفهوم الاستعجالية يختل في مثل هذه الحالة.
- ذلك أن تقدير توفر عنصر الاستعجالية يجب أن يتم في الوقت الذي يحكم فيه القاضي الأمور الاستعجالية وليس في الوقت الذي قدّم فيه الطلب.
وعلى كل حال ومهما كانت المقاييس المعتمدة لتعريف الاستعجالية بالمقارنة أو بغيرها من الطرائق ، فإنه يجب أن يكون في التدبير المطلوب صيانة لمصالح مادية ومعنوية مشروعة ، وأن يكون سبب الخطر والاستعجالية في البث ، وأن يكون الضرر أو الخطر طابع مميز.
3- صيانة المصالح المادية و المعنوية المشروعة :
أ- إن المصالح المادية التي يمكن لأصحابها طلب اتخاذ تدابير استعجالية لحمايتها كثيرة و متشعبة ، بل وهي تتعلق بأكثريتها بالممتلكات وخاصة بالنسبة لحماية حقوق الملكية. غير أن البعض منها يتعلق بالحقوق المعنوية كحق المؤلفين و الفنانين الذي يمكن أن تستدعي الاستعجالية حمايته بتدابير مؤقتة يتخذها القضاء الاستعجالي.
ب- وزيادة على الممتلكات فهناك مصالح معنوية تفوق أهمية المصالح مثل سلامة جسد المرء و حريته المادية و المعنوية ، وسلامة عمله وحرية معتقده ، وحماية شرفه واعتباره ، والحقوق الناشئة عن الزواج وحقوق الوالدين وكل حق تولده روابط المحبة.
جـ- وقد ينشأ الخطر الذي يهدد هذه المصالح المادية والمعنوية ، فجـأة كما ينشأ عن فعل الغير بسبب تعارض المصالح و الحقوق ، وأن تضارب المصالح هذا لا يحول دون اختصاص القضاء الاستعجالي لأنه ينفي الاستعجالية. لكنه يضع على بساط البحث ركنا آخر من أركان القضاء الاستعجالي عنينا التصدي للأساس.
4- التأخير في الفصل هو سبب الخطر و الاستعجالية :
للحديث عن استعجال ، فإنه يستحيل حسم النزاع وفق الأصول العادية دون ضرر محتم ، لأن سبب الضرر الواجب تلافيه ، هو دائما وعلى الأقل جزئيا ، هوينا القضاء التي لا مفرّ منها ، فلولاها لما كانت دعت الحاجة لإيجاد القضاء الاستعجالي و إجراءاته الاستثنائية. فالاستعجالية تبرز عن المقابلة بين الحقوق و المصالح ، من الخطر الذي يهددها والبطء في المحاكمة العادية.
ويبدو أن هذا المعيار مغريا إلى درجة اعتماده خطأ واعتبار أن البطء في الفصل لوحده كاف لتكوين الاستعجالية كالقرار الذي يعلن مفيدا وعادلا وضع حد لوسائل المطل و التسويف.( 5 ) .
وقد لاحظنا نحن هذا الرأي في كثير من جلسات المحاكم الاستعجالية وسنضرب مثلا على توفر الاستعجالية بسبب كون الحق المطلوب تدبير بشأنه ، ولا يتحمل أي تأخير ، وبسبب كون مراجعة القضاء العادي والخضوع لأصول المحاكمة لديه والبطء في فصل المنازعة من قبله يجعل الضرر محتم الوقوع. وهذا المثل مأخوذ من قضايا استعجالية صادرة عن محاكم استعجالية فصلت في الأمور الاستعجالية.
ويتضح مما تقدم ومن وقائع هذه القضية : أن امرأة طلبت من شركة للدفن نقل جثمان زوجها من ... وإلى ... ثم في آخر لحظة أرسلت برقية إلى نفس الشركة تطلب فيها التوقف عن الشحن. غير أن سيارة الإسعاف كانت قد انطلقت وسافرت. وعندما وصلت سيارة الإسعاف إلى مكان الإقامة ، رفض مدير الشركة الحريص على مصالحه تسليم النعش لأصحابه مادام أن الفاتورة لم تدفع بحجة منازعتها في القيمة الواردة فيه.
فقاضته الزوجة أمام قاضي الأمور الاستعجالية في مكان الإقامة الذي أمر بالتسليم.( 6 ) .
مما تقدم يتضح أنه على القضاء الاستعجالي ، قبل إصدار قراره ، أن يأخذ بعين الاعتبار مهل المحاكمة أمام قضاء الموضوع.
5- طابع الضرر أو الخطر المميز :
- الحديث عن توفر الاستعجالية ليس أمرا ضروريا أن يكون الضرر قد تحقق فعلا، و يكتفي بأن تكون مصالح المدعي أمام القضاء الاستعجالي معرضة للخطر حقا.
- بصفة مبدئية تكون الاستعجالية متوفرة إذا كان أحد الأطراف يتحمل ضررا واقعا فعلا، لأنه يجب أن يمنع تمادي الضرر كي لا يثقل كاهل المتضرر. وهذه حالات الاستعجالية الأكثر حدوثا:
- غير أن حصول الضرر وتقادمه لا يزيل الاستعجالية لزوما، إذ يجوز أن يكون الطالب قد تحمل مدة من الزمن المضار التي يتذمر منها أو قبل بها أو كان يجهلها مدة من الزمن ولم يعد بمقدوره تحملها لاشتداد ثقلها مع الزمن.
وباعتبار الاستعجالية غير متوفرة إذا طلبت شركة كهرباء مثلا قطع التيار عن شركة أخرى بحجة رفضها توقيع البوائص طالما أنها أعطتها التيار لمدة سنوات بدون بوائص، أو إذا طلبت جدة مثلا : ولدت لديها محبة حفيدها فجأة ، تسليمه إليها بعد أن تركته لمدة سنوات. ( 7 ) .
- وإذا كان الضرر كافيا لتكوين الاستعجالية لكن يجب أن يوجد حقا فيرفض قاضي الأمور الاستعجالية إقرار الاستعجالية إذا لم يكن هناك ما يهدد، وكان بالإمكان الحصول على قرار سريع من محكمة الموضوع.
- وإذا كان التعرض للخطر يجعل الطلب مقبولا لدى القضاء الاستعجالي إلا أن التدبير المطلوب يجب أن يكون ناجعا كي يقرر.
6- التدابير المؤقتة في المواضيع المختلفة :
- يعود للقضاء الاستعجالي في مثل هذه الحالات اتخاذ التدابير المؤقتة المختلفة في القضايا العقارية وتنفيذ العقود إلخ ... ولذلك يجب على القاضي في جميع هذه الحالات أن يثبت في حكمه توفر عنصر الاستعجالية، كما هي الحال مثلا عند تعيين خبير قضائي، أو عند الحكم بإخلاء شاغل عقار، أو شاغل بعد حلول أجل عقد عمله، أو في حال وجود نص إلغاء حكمي، أو عندما يقرر إخلاء عقار يهدد بالانهيار، لأن تدبيره مؤقت، ولا يمس الحق بالإيجار أو التعويض. هذا وأن قرار المحافظ القضائي بالهدم كافيا لإثبات الاستعجالية، بل من حقه تقرير الهدم.( 8 ) .
ولا نعتقد أن هؤلاء البعض محق فيما ذهب إليه، لأن صلاحية القضاء الاستعجالي صلاحية مطلقة تتعلق بالتنظيم القضائي وبالتالي بالنظام العام، ولا يجوز للأطراف مخالفة قواعد الصلاحية المطلقة، وإذا خالفوها في اتفاقاتهم وجب ألا يتقيد القاضي بها، وعليه إعلان عدم اختصاصه ما لم تكن شروط اختصاصه المنصوص عليها في المادة :187 من قانون الإجراءات المدنية متوفرة و الاستعجالية من ضمنها.
وخلافا لما تقدم اتجهت بعض القرارات إلى القول بوجوب توفر استعجالية قصوى وماسة حتى يجوز للقضاء الاستعجالي التدخل (قرارات المحكمة العليا). ( 9 ) .
وقد اتجهنا نحن هذا الاتجاه فيما يتعلق بحق المرور لعقار محاط.
إلا أن محكمة التمييز الفرنسية قد تخلت عن مثل هذا الشرط واتبعتها في ذلك المحاكم الدنيا.
- وعلى العكس من ذلك عندما يبدو لقاضي الأمور الاستعجالية أن الاستعجالية غير متوفرة عليه أن يعلن عدم اختصاصه تلقائيا.
- هذا بالنسبة للقضايا المدنية. أما في القضايا التجارية ، فإن المبادئ التي سبق ذكرها إنما تطبق هنا. وتطبيقاتها خصبة في قضايا الشركات و الحراسة و الخبرة ولمهجر...
- بقي أن نستعرض الاستعجالية ونص الإلغاء ووسائل التسويف وحتى الملكية و التدابير الكيفية و تقدير القاضي المطلق لتوفر الاستعجالية ورقابة محكمة التمييز، وآثار الاستعجالية لجهة تعديل الصلاحية، ولجهة وصف هذه الصلاحية، ولجهة استمرار صلاحية القضاء الاستعجالي رغم مراجعة محكمة الأساس.
- اتجهت بعض الآراء إلى القول بأنه من حق القضاء الاستعجالي، بل من واجبه وضع حد لوسائل المطل و التسويف، إذا كان من يدلي بها لا يملك أي حق أو مستند، وأنه لا حاجة في مثل هذه الحالات ليتثبت القضاء الاستعجالي من وجود الاستعجالية، كالحالة التي يشغل فيها شخص ملك غيره دون حق أو مستند، وعند إقامة الدعوى عليه، يدلي بعدم صلاحية القضاء الاستعجالي لإخراجه. فالأدلاء إذن بعدم الصلاحية ليس سوى وسيلة تسويف و الأخذ بمثل هذا الدفع يعتبر مكافأة لسوء النية.( 10 ) .
- أما إذا كان بين المتعاقدين نص إلغاء حكمي في العقد يعفي من الإنذار ومن مراجعة القضاء، فإن النص يجعل العقد ملغيا بفعل إرادة المتعاقدين. غير أنه لا يعفي القضاء الاستعجالي من التثبت من وجود استعجالية، وذكر ذلك في حكمه.
8- حل الملكية و التدابير الكيفية :
- إن المحاكم العادية، هي حامية الملكية الفردية، ولذلك نرى يوميا قرارات تصدر تقضي بإخراج أشخاص من مساكن يشغلونها دون حق ودون سنـد، أو أن الأجل الممنـوح لهم لأشغالها قد انتـهى ، أو أن العقد
مبرر الأشغال قد ألغي بفعل نص إلغاء حكمي (أن هذا النص الذي يعفي من مراجعة القضاء صحيح في اعتقادنا، ويعود للقضاء الاستعجالي أن يقرر الإخلاء إذا كان المالك مثلا أرسل إنذارا، وانقضت مهلة المدة القانونية المنصوص عليها في القوانين الاستثنائية إذا كان عقد الإيجار يخضع لأحكام هذه القوانين. غير أن الإعفاء من إرسال الإنذار في ظل أحكام القوانين الاستثنائية باطل).
وذلك لأن الاستعجالية متوفرة في مثل هذه القضايا، فإبقاء الشاغل دون حق يحول دون استعادة المالك حرية التصرف بملكه واستعماله مما يلحق به ضررا لا يعوض.
- وعلى العكس من ذلك تتوفر الاستعجالية في الحالات التي يجب فيها احترام الأوضاع الهادئة، ولو كانت أوضاعا واقعية وليست أوضاعا واقعية وليست أوضاعا قانونية، لأنه لا يجوز للمرء أن يستوفي حقه بذاته ويخرج مثلا شاغلا من ملكه يشغله بدون سند أو حق. وفي مثل هذه الحالات يستوجب إعادة الوضع إلى ما كان عليه. على أن يبقى لصاحب الحق بعد ذلك أن يراجع القضاء الاستعجالي، ويطلب إخلاء الشاغل بدون سند أو حق.
- وزيادة على ذلك، فإن العنف يولد الاستعجالية. وذلك لأنه لا يعود لأي إنسان أن يستوفي حقه بالذات سواء استوفى هذا الحق بالاستعمال العنف أو دون استعماله، شريطة أن تصرفه تصرفا كيفيا (Voie de Fait) ، إذ من واجب القضاء الاستعجالي أن يضع حدا للتصرفات الكيفية، ولو صدرت عن السلطات الإدارية نفسها بغية إقرار السلام والإبقاء على الأوضاع الهادئة.( 11 ) .
وبصفة عامة كل مرة يخرق حق الملكية أو تخرق الحريات الفردية أو وضع هادئ ، ولو كان وضعا واقعيا، سواء كان الخرق بطريقة الإكراه أو بطريقة غير مشروعة كالتدابير الكيفية تكون الاستعجالية متوفرة، ويكون القضاء الاستعجالي صالحا لاتخاذ تدابير من شأنها حماية هذه الحقوق و الأوضاع واحترامها.
9- تقدير قاضي الاستعجالية المطلق لتوفر الاستعجالية ورقابة محكمة التمييز:
الاستعجالية مفهوم نسبي، يتكلم القاضي على أركان القضية ويلحظ أن خطرا ما يهدد مصالح أحد الأطراف، ثم يستخلص طابع الاستعجالية لاتخاذ قراره.
بعبارة أخرى، فإن القاضي يقدر الواقع المعروض عليه ويصف التدابير المطلوبة. إن هذا الوصف يجب أصلا، أن يخضع لرقابة محكمة التمييز، لأنه تحديد للاستعجالية. فلا شك أن هذا التحديد معقد ومختلط بظروف القضية المفصولة ، لكن تبقى له صفة التحديد، أو ليس من واجب المحكمة العليا أن تسهر على ألا يعلن القضاة توفر الاستعجالية إلا في الحالات التي تتوفر فيها فعلا ؟ !
لكن ما هي القاعدة القانونية التي تمكنّها من رقابة هذا التقدير ؟
فإذا كانت المسألة تتعلق بتطبيق مفهوم من المفاهيم الغامضة غير الدقيقة تتصرف المحكمة العليا بحكمة وتبصر، إذ تقيم قرينة على صحة تقديرات قضاة الأساس وتتجنب بذلك نقد الوصف الذي اعتمدوه نظرا لكونهم عرفوا الوقائع بشكل مباشر خلافا لما هو وضعها. وهذا يعني أنها في هذه الحالات مع احتفاظها بمبدأ رقابتها تكثر رد طلبات النقض. لأن الاستعجالية هي دوما وبطبيعتها ممزوجة بتقدير شخصي، لفقدان المعيار الموضوعي لتحديدها، ولأن مفهوم الاستعجالية محصور بكل قضية ولا ينفصل عن وقائعها الخاصة. وعليه تعتبر محكمة التمييز أن تقدير توفر الاستعجالية خاضع لسلطان محاكم الأساس المطلق.
ولعل مرد ذلك هو أن مسألة الاستعجالية يخلط فيها الواقع و القانون وأن مثل هذه العوامل لا تقبل أمام محكمة التمييز، ويجب أن تكون مسألة عدم توفر الاستعجالية قد عرضت على محكمة الاستئناف ، ويتوجب على هذه المحكمة أن تتأكد من توفرها في حكمها. فإن لم تعلن توفر الاستعجالية ، فإنها لا تكون قد بينت أركان اختصاصها، ويحق لمحكمة التمييز في مثل هذه الحالات إجراء رقابتها.
10- أثار الاستعجالية لتعديل الصلاحية :
- إذا توفرت الاستعجالية في مكان ما ، يمكن أن تعطي قاضي هذا المكان صلاحية النظر في التدبير المطلوب، أو التدبير المطلوب تعديله عوضا عن قاضي مقام المدعى عليه.
- هذا وإن توفر الاستعجالية يضفي على الصلاحية صفة الصلاحية المتعلقة بالنظام العام، بمعنى أنه إذا كانت الاستعجالية متوفرة يصبح قاضي الأمور الاستعجالية صالحا ويمتنع على الأطراف أن يتراجعوا عن حق مراجعته. إذ أن صلاحيته تتعلق بالنظام العام حتى مع وجود نص الصلاحية، أو وجود نص تحكيمي.
11- استمرار صلاحية القضاء الاستعجالي رغم مراجعة محكمة الأساس :
أصلا اعتبرت بعض المحاكم ، أنه منذ وضع قضاة الأساس يدهم على النزاع ترتفع يد القضاء الاستعجالي. إلا أن الرأي السائد حاليا هو أن مراجعة محكمـة الأساس لا تنـفي اختصاص القضاء الاستعجالي ، إذا كانـت شـروط
اختصاصه المنصوص عليها في المادة : 187 ق. :إ.م. هذا ولا يمكن الحديث بسبق ادعاء لاختلاف الموضوع بين الدعوى لدى قضاة الأساس و القضاء المستعجل.
كما أنه لا ترتفع يد القضاء المستعجل إلا إذا أصبحت الدعوى أمام محكمة الاستئناف حتى ولو كانت الدعوى الاستعجالية مرفوعة أمام القضاء الاستعجالي قبل استئناف دعوى الأساس ، أي أن قاضي الأمور الاستعجالية يبقى صالحا إذا كانت الدعوى رفعت إليه قبل وضع محكمة الاستئناف يدها على دعوى الأساس. ( 12 ) .
12- الخــــلاصـــــــــة:
أشارت محكمة استئناف إفريقيا الاستوائية الفرنسية في قرار لها صادر بتاريخ 07/04/1948 : » إن الاستعجالية تبتدئ حيث يقف حق فريق ويخرق حق فريق آخر، وتنشأ ضرورة ملحة لوضع حد لهذا الخرق « .
إن هذا المفهوم واسع وضيق بآن واحد : إذ أن حصر الاستعجالية في الحالة التي تكون فيها الحق قد خرق يحدّ كثيرا من نطاقها ، إن يمكن القول بوجود استعجالية كل مرة تجب المحافظة على أوضاع واقعية ، أو قانونية هادئة ، وكل مرة يجب دفع خطر محدق غير أن قاضي الأمور الاستعجالية غالبا ما يكون غير صالح للقول أين يبتدئ وينتهي حق ما.
فهو يلحظ وجود وضع هادئ أو مصلحة مشروعة ـ أو حق معين ويتأكد من أن خطرا يحق بها أو بأحدها وأنه من شأن اتباع الأصول العادية الأضرار بها، ويستخلص صفة الاستعجالية بالنسبة للتدبير المطلوب اتخاذه وبالنسبة للقرار الذي يتخذه.
وإذا كان قد استحال علينا تحديد مفهوم الاستعجالية ، يمكننا أن نختم حديثنا بالقول أن سببها الدائم هو تطويل المحاكمات الذي لا مناص منه وتفترض قيام خطر ناتج عن ظروف القضية يتفاقم بسبب بطء إجراءات المحاكمة ، أو كأمن في الضرر الذي يمكن لمهل المحاكمة العادية أن تلحقه بالمصالح المشروعة العادية والمعنوية.
مــــــــراجـــــــع البــــحــــــث
1ـ أ/سائح سنفوقه – قانون الإجراءات المدنية – ط/1 – دار الهدى 2001 الجزائر.
2ـ د. الغوثي بن ملحة – القانون القضائي الجزائري – ط/2 – د.و.أ.ت 2000 الجزائر.
3 ـ د. محمد حسين – طرق التنفيذ في قانون الإجراءات المدنية الجزائري ط/2 – د.م.ج 1990 – الجزائر.
4 ـ د. الغوثي بن ملحة – قواعد وطرق الإثبات – ط/1 – د. و.أ. ت 2001 – الجزائر.
5ـ قرار المحكمة العليا رقم 51263 بتاريخ : 30/04/1989.
6ـ الـمـجــلــة القضـائــيــة عــدد ( 04 ) 1991 - ص 141.
ـ7Vasseur : Urgence et droit civil in Revu. trim. . de Dr .civ.
1954 - 405.
ـ8Francis : Essai sur la notion d'urgence et de provision
dans la procédure de Référé (Thèse Toulouse
1935).
ـ9Michaud : La notion d'urgence en droit Judiciaire (Thèse
Paris 1944).
ـ10Roubier : Théorie Générale du droit édit , 1951 . P .326
et 117.ـ11Gabolde : Essai sur le notion d,urgence en
administratifs )thèse paris 1951 12 ـRevue trim. . de droit civil , 1950 suivi. 1951
المصدرhttp://www.marocdroit.com/مفهوم-القضاء-الاستعجالي-والقضايا-الاستعجالية_a3997.html
Put the internet to work for you.



0التعليقات :