المنطلقات الأساسية للمنهج الجدلي و دوره في فهم الظاهرة القانونية

http://www.marocdroit.com/photo/art/default/5917744-8817404.jpg
يونس أبلاغ طالب باحث خريج ماستر التدبير الإداري المحلي

المنطلقات الأساسية للمنهج الجدلي و دوره في فهم الظاهرة القانونية

 
مقدمة:

يرتبط تطور علم الاجتماع بالفكرة الأساسية القائلة بأن الظاهرات الاجتماعية بمكن دراستها بالطرق العلمية نفسها التي تستخدمها علوم الطبيعة, ومن هنا جاء تعبير " الفيزياء الاجتماعية" الذي كان  كونت قد استعمله في البدء, وجاءت الصيغة التي تبناها دوركهايم القائلة بأنه يجب معالجة الوقائع الاجتماعية و كأنها أشياء. وكان  يعتقد اذ ذاك أن السوسيولوجيا, كباقي علوم الطبيعة, علم ضمن الحدود التي تمكنها من وصف الظاهرات كما هي موجودة, من وضع أحكام وجود  لا أحكام قيمة. فبعد ما كانت العلوم الإجتماعية متسمة بطابع و التبرير لا التفسير العلمي, ستتبلور افكار و نقاشات فلسفية تحاول أن تتجاوز كل ارث الماضي التبريري, من خلال اعتماد منهج علمي صارم ينطلق من أسس واقعية  وتفسيرية من أجل البناء الاجتماعي ككل و من أجل تغييره, وعلى رأس هؤلاء المفكرين يأتي كارل ماركس ويعطي مفهوما علميا وماديا للواقع الاجتماعي, وهو الذي سيعطي للجدل حقه في التعريف والمعرفة وبالخصوص الجدل المادي.
 فالفضل يعود إلى الفلاسفة اليونان في البدء بتكوين الجدلية. فقد تصوروا الطبيعة ككل. وكان هراقليط يعلم الناس أن هذا الكل يتحول، فكان يقول لا ندخل قط في نفس النهر مرتين. كما يحتل نضال الأضداد عندهم مكانة كبيرة ولا سيما عند أفلاطون الذي يشير إلى خصب هذا النضال، إذ أن الأضداد يولد كل منها الآخر. وكلمة 'الجدلية' مشتقة من الكلمة اليونانية 'dia legein' وتعني 'جادل' فهي تعبر عن صراع الأفكار المتناقضة.
ونجد عند أكبر مفكري العصر الحديث ولا سيما عند ديكارت وسبينوزا أمثلة رائعة على التفكير الجدلي. وقد أعجب هيجل بالثورة البرجوازية التي اتنصرت في فرنسا وقضت على المجتمع الإقطاعي الذي خيل إليه أنه أبدي لا يزول، فإذا بهيجل يقوم بثورة مماثلة في الأفكار. فينزل الميتافيزيقا وحقائقها الخالدة عن عرشها السامي، وإذا بالحقيقة، عنده، ليست مجموعة من المبادئ الجاهزة، بل هي عملية تاريخية، تبدأ بالمعرفة البدائية لتنتهي بالمعرفة السامية. وهي تتبع في ذلك حركة العلم نفسه الذي لا يتطور إلا إذا عمد إلى نقد نتائجه باستمرار، وتجاوز هذه النتائج. وهكذا نرى أن الدافع لكل تحول هو نضال الأضداد.
ومع ذلك كان هيجل مثاليا، أي أن طبيعة التاريخ الإنساني، بالنسبة إليه لم تكن سوى تجلي الفكرة الأزلية وهكذا تظل جدلية هيجل جدلية روحية صرفة.
ولقد رأى ماركس، وكان زميلاً لهيجل في أول الأمر، في الجدلية المنهج العلمي الوحيد. غير أنه عرف أيضاً، كمادي، أن يعيد الجدلية إلى مكانها الحقيقي. فرفض القول بالنظرة المثالية للعالم التي ترى في الكون المادي ثمرة للفكرة، وأدرك أن قوانين الجدلية هي قوانين العالم المادي، وأنه إذا كان الفكر جدليا فلأن الناس ليسوا غرباء في هذا العالم بل هم جزء منه.
كتب انجلز، وهو صديق ماركس ومساعده، يقول: 'ليست الجدلية، عند هيجل ـ التي تتجلى في الطبيعة والتاريخ في صورة ترابط التقدم السببي الذي نجده منذ البداية حتى النهاية خلال جميع الحركات المتعرجة الإلتواءات الموقتة ـ ليست هذه الجدلية سوى صورة لحركة الفكرة الذاتية التي تستمر منذ الأزل حيث لا ندري, مستقلة عن كل ذهن إنساني مفكر. فكان لا بد من تجنب هذا الانقلاب الفكري فنظرنا إلى أفكار الذهن نظرة مادية على أنها انعكاس للأشياء بدلا من أن ننظر إلى الأشياء على أنها انعكاس لدرجة معينة من درجات الفكرة المطلقة وهكذا أصبحت الجدلية معرفة قوانين الحركة العامة في العالم الخارجي أم في التفكير الإنساني. وهما طائفتان من القوانين المتماثلة في الأصل المختلفة في الشكل بمعنى أن الذهن الإنساني يمكن أن يطبقها عن وعي وإدراك بينما هي لا تطبق في الطبيعة أو التاريخ الإنساني إلا بصورة غير واعية في شكل الضرورة الخارجية وسط العديد من الصدف الظاهرة. فإذا بجدلية الفكر ليست سوى انعكاس بسيط واع لحركة العالم الحقيقي الجدلية. وإذا بجدلية هيجل ترفع رأسها فتقف على رجليها بعد أن كانت تقف على رأسها.
فمن هكذا تسلسل منطقي انبثق وعي ضرورة المنهج الجدلي الذي لا يكمن أن يجاريه علم في ذلك.
إذن ما الآليات و الميكانيزمات الرئيسية في المنهج الجدلي في التفسير و التعليل؟ و  إلى أي مدى يمكن أن تنطبق على الواقع المادي؟ و إلى أي حد من حدود المعرفة العلمية تسير ما دام العالم في حركة صيرورة و سيرورة ؟
من خلال هذا التبسيط سنحاول معالجة المنهج الجدلي انطلاقا من النص الماركسي والنصوص المتحدثة باسم الماركسية بغية فهم هذا المنهج ومنطقاته الأساسية في تفسير العالم  والظواهر  الاجتماعية.
 
 
 
 
الفصل الأول׃القوانين الأساسية للجدل و مقولاته

تتميز طريقة ماركس وانجلز في التفكير بسمات جوهرية عديدة منها الإقرار بوجود الأشياء والظواهر موضوعيا, بغض النظر عن وجود الإنسان ووعيه بها, السمة الثانية هي أنها طريقة تفكير جدلية تنظر إلى الأشياء و الظواهر على أنها متناقضة، وهي في تغير مستمر و تخضع لنوع من الترابطات الشمولية يؤثر بعضها في البعض الآخر و تتأثر به، و السمة الثالثة كون طريقتهم الفكرية طريقة تاريخية و هذا يعني من جهة أن الوجود الموضوعي للأشياء و الظواهر هو وجود تاريخي متغير يختلف من حيث زمن وجوده و من جهة ثانية أن معارفنا عن الأشياء و الظواهر ذات قيمة تاريخية فحسب .
فالدياليكتيك حسب ماركس هو علم القوانين العامة للحركة سواء في العالم الخارجي أو في الفكر البشري، من هنا يمكن القول بأن قوانين الجدل مقسمة إلى نوعين، القوانين الأساسية للجدل (المبحث الأول) و القوانين الثانوية للجدل (المبحث الثاني) فما هذه القوانين الأساسية و الثانوية؟

المبحث الأول: القوانين الأساسية للجدل

سيشهد الدياليكتيك تطورا ملحوظا مع الفيلسوف الألماني هيجل وذلك بتمكنه من اكتشاف القوانين الأساسية للجدل، ليحدث بذلك ثورة على مستوى المعرفة الإنسانية, ليؤكد حقيقة جديدة و المتجسدة في الحركة و التغير، وهذه القوانين الأشمل و الأعم ،أي أن الأشياء كافة و الظاهرات قاطبة تنصاع لها انصياعا مطلقا ، فبهذا الاكتشاف اعتبر ماركس المنهج الجدلي أوسع منهج من مناهج التطور و أوفرها مضمونا و أشدها عمقا  وأثمن اكتساب حققته الفلسفة الكلاسيكية الألمانية.
إلا انه ما يعاب على الجدل الهيجلي و قوانينه  هي أنها كانت تطبق على حقيقة الأفكار بعيدة عن الوقائع الاجتماعية, لكن مع مجيء كارل ماركس و صديقه انجلز سيقترن المنهج الجدلي بالمادة ليخضع كل الظواهر  الاجتماعية لقانون الجدل المادي , فما هذه القوانين ؟

المطلب الأول ׃ قانوني وحدة الأضداد و صراعهما و التغيرات الكيفية

أولا: قانون وحدة الأضداد و صراعهما׃ هو القانون الذي يقوم بعملية الكشف عن مصادر و أسباب كل حركة و تطور، من هنا يتضح مضمونه (القانون) وهو انه لا توجد في الوجود ظاهرة إلا و تحمل في داخلها بذرة فنائها، فالتناقضات دوما تعيش معا, و الأصل في الطبائع التضاد الداخلي لذلك فالأضداد تعيش معا, فالأضداد في هذه الحالة لا تتضايق بل تتحد,  إنها تتداخل لتؤلف "وحدة الأضداد" مترابطة فيما بينها ترابطا لا تنفصم له عرى، إن الأضداد لا توجد إلا لأنها أضداد.
[1]
يقول انجلز: "الطبيعة من اصغر الأشياء إلى أكبرها من حبة الرمل إلى الشمس في حالة دائمة من النشوء و الزوال في حالة تغير متواصل في حالة حركة و تغير لا يتوقفان".[2]
بمعنى آخر, إقرار لكون الأشياء دائما في حالة وحدة و تضاد في نفس الآن معا , و لولا هذا التضاد لما حصل التطور, فالسكون هو عدو التغير . وهذا الأخير هو نتيجة التضاد الداخلي,  من هنا يتضح بان وحدة الأضداد شرط من شروط صراعها، و التطور يأتي نتيجة التغلب احد أطراف الصراع فالجديد يصارع دائما من اجل إلغاء القديم.
"إن البذرة تملك القوة على التحول لأنها تصير فيما بعد شجرة, وهكذا تخرج الشجرة من البذرة بعد أن تختفي هذه  البذرة"
[3]
وما يسري على البذرة يسري على المجتمعات التي تسودها الملكية الخاصة فنجد هناك دائما قطبين متناقضين يتعايشان دائما في حال صراع في شكل طبقات متضادة, فالعبيد و ملاك العبيد في المجتمع العبودي الأقنان و الإقطاعيين في المجتمع الإقطاعي البروليتاريا و البرجوازية في المجتمع الرأسمالي, من هنا أتت مقولة كارل ماركس:" إن الرأسمال يفترض العمل المأجور كما يفترض القطب الموجب القطب السالب,"[4] .
وفق هذا القانون فالأجزاء لا تتعايش في إطار الوحدة تعايشا سليما, بل هي في تضاد و صراع مستمر, فالجديد يصارع دائما من اجل إلغاء القديم, فانجلز يقول:" من المستحيل أن نجد جانبا من جوانب     التناقض دون الآخر تماما كما يستحيل أن تحفظ في يدك التفاحة بأكملها بعد أن تكون قد أكلت نصفها.
[5]
فخلافا للميتافيزياء فان من وجهة نظر الدياليكتيك, فكل الأشياء الموجودة في الطبيعة وحوادثها تحوي تناقضات داخلية, لان لها جميعها جانبا سلبيا و جانبا ايجابيا ماضيا و حاضرا, و فيها جميعها عناصر تضمحل أو تتطور, فنضال هذه المتضادات, أي أن النضال بين القديم و الجديد بين ما يموت وما يولد بين ما يفنى و ما يتطور هو المحتوى الداخلي لحركة التطور, هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى التغيرات الكيفية, وفي هذا الصدد يقول لينين:" ان الدياليكتيك بالمعنى الخاص للكلمة هو درس التناقضات في ماهية الأشياء نفسها", ويقول" إن التطور هو صراع المتضادات" [6].
هذا الفهم لطبيعة الأشياء, المستمد من طبيعة الوجود المادي على أسس عملية يأتي مناقضا لتحليل المثالي للظواهر و دراستها, ففي العادة نرى التحليل المثالي يعجز عن رؤية التداخل و التضاد في نسيج الأشياء, الرؤية الميتافيزيقية ترى الظواهر و معزولة ومفككة ولهذا تختلف عن الرؤية المادية الجدلية للأشياء, فإذا ما كان هناك شخص أصيب بضغط الدم, العلم يجيب عن السبب من تحليل التناقض الداخلي لبنية الجسم.
فالظواهر إذن لا يجب أن تدرس معزولة عن ما حولها و داخلها معا في تركيب الوحدة الكونية, إن الظاهرة المفردة يستحيل عزلها عن المحيط و إن جاز هذا العزل فهو من قبيل التجزيء في البحث, أي إغفال عضوية العلاقة بالعالم المادي المحيط , وهذا حتما سيؤدي إلى نتائج مغلوطة في التحليل, هل يمكن مثلا أن ندرس الإنسان بمعزل عن الغداء.
[7]

ثانيا ׃ قانون التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية׃ يقوم هذا القانون بتبيان كيفية تعرض الأشياء والظواهر للتحولات و التبدلات الكمية, بصورة تدريجية و منسجمة, فالمقصود بالتغير الكمي هو انه من خلال الظاهرة المدروسة يمكن ملاحظة تغيرات ذات طبيعة كمية(الزيادة,النقصان), والتي لا تغير من طبيعة الظاهرة المدروسة, أما التغير الكيفي فهو لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية, فعند نقطة محددة يتحول التغير الكمي إلى تغير كيفي, وهذا ما يصطلح عليه "القفزة النوعية", وعندما نقول تغير كيفي  نقول بحدوث تغير على مستوى الخصائص و طبيعة الشيء.فحسب انجلز:"فعند درجة معينة من التغير الكمي يحدث  فجأة تحول كيفي" [8].
فإذا غليت الماء أخدت حرارته بالارتفاع درجة حتى إذا ما بلغت درجة معينة, جعل الماء يتبخر ويتحول إلى ما بخار ماء, نحن إذن هنا أمام نوعين من التغير, إذ أن تغير الحرارة التدريجي هو تغير كمي أي أن كمية الحرارة التي يحتوي عليها الماء تزداد, غير أن الماء في وقت ما يفقد صفته كسائل ويصبح غازا دون أن يغير من طبيعته الكيميائية, و كهذا نسمي تحولا كميا مجرد ازدياد أو نقصان الكمية, كما نسمي تحولا نوعيا الانتقال من صفة إلى صفة أخرى, أو من حال إلى حال, كالانتقال من  حالة السيولة إلى الحالة الغازية .
[9]
من هنا تتضح الصلة الموجودة بين التحولات الكمية و التحولات الكيفية, ذلك لان التحول النوعي ليس من قبيل الصدفة بل هو نتيجة حتمية للتحول الكمي.
و انتقال الشيء من حالة كيفية معينة إلى حالة كيفية نتيجة للتغيرات الكمية المتدرجة هو طفرة في مجال التطور, و الطفرة هي تحطيم لتدرج التغير الكمي للشيء . أو هي الانتقال إلى كيف جديد, أو التحول الفجائي, و التغير الجذري في مجرى التطور, و لقد كان ظهور الإنسان نفسه طفرة في تطور العالم العضوي, والانتقالات من كيف قديم إلى كيف جديد سريعة نسبيا , إذا ما قورنت بالفترات السابقة التي كانت تتم فيها التغيرات الكمية المتدرجة, وهذه السرعة تختلف باختلاف طبيعة الشيء والظروف الذي تحث فيها القفزات, فالتغير الكيفي هو نتاج ضروري لتطور التغيرات الكمية.
 إن هذا القانون في حقيقته يعتبر من أهم انجازات هيجل الذي كشف عنه في كتابة"المنطق" فعند بلوغ درجة معينة تتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية.
[10]
ولكل كيف كم, ولكن على خلاف الكيف, فالكم يعكس درجة تطور الخصائص الملازمة للشيء كما رأينا من قبل, ويعبر عن الكم عادة بالعدد, فالكم والكيف في الجدل وحدة من حيث أنهما يمثلان جانبين لنفس الشيء, إلا انه هناك جوانب من التغير, فالتغير في الكيف يؤدي إلى تغير الشيء وتحوله إلى آخر, في حين فالتغير في الكم في حدود معينة لا يؤدي إلى تحول ملحوظ للشيء, "إن التغيرات الكمية الطفيفة, غير المحسوسة في البدء, تؤدي بتراكمها التدريجي, وفي لحظة معينة, إلى تغيرات نوعية جذرية, تختفي على أثرها النوعية القديمة وتظهر نوعية جديدة تفضي بدورها إلى تغيرات كمية جديدة."[11]

المطلب الثاني ׃قانوني نفي النفي وترابط السيرورات

اولا ׃ قانون نفي النفي ׃ هذا القانون يكشف عن الاتجاه والميل العام لتطور العالم المادي , فسير التطور كله عبارة عن نفي النفي, كل مرحلة تنفي سابقتها ثم تنفيها هي نفسها مرحلة ثالثة وهكذا دواليك, غير أن النفي هذا لا يعني الفناء وإنما النفي والاحتفاظ معا, ولا يكون النفي جدليا إلا  إذا كان مصدرا للتطور, أي إذا احتفظ بالعناصر الأساسية في المراحل السابقة, وهذا القانون يسري في الطبيعة كما في التاريخ.
فاندثار القديم الذي مضى زمنه وحمل في طياته أسباب فنائه والمتمثل في الجديد الناشئ الذي يحل محله, فهذا التغلب الذي يحدث للقديم من طرف الجديد هو ما يسمى بالنفي, بل يتعداه ليؤكد أن نشوء الجديد ما هو إلا مقدمات لتطورات جديدة ومتناقضات جديدة, وحالما تختمر هذه المتناقضات يبدأ النفي من جديد وهذا ما يسمى بفي النفي.
" انه قانون عام حيث الدرجة القصوى, ولهذا السبب فهو قانون بعيد المغزى وفائق الأهمية, من قوانين تطور الطبيعة والتاريخ والفكر, قانون ينطبق على المملكتين الحيوانية والنباتية, وعلى علم طبقات الأرض وعلى الرياضيات وعلى التاريخ"
[12]
إن الإنكار(النفي)  الجدلي لا يعني أن نقول بكل بساطة،  أن هذا الشيء أو ذاك لا وجود له، أو ندمره بأي طريقة تناسب هوانا، ولقد قال سبينوزا قبل زمن طويل إن كل تحديد أو تقرير هو إنكار في الوقت ذاته، فضلا عن ذالك فإن نوع الإنكار يحدد هنا أولا بطبيعة العملية العامة، وثانيا بطبيعتها المخصوصة، فلا يكفي أن أنكر، بل يجب كذلك أن أقوم الإنكار، وبالتالي فإنه يتوجب علي أن أرتب الإنكار, بحيث يبقى الإنكار الثاني أو يصبح ممكنا, كيف ذلك؟ إن هذا متعلق بالطبيعة المخصوصة لكل حالة على حدة, فإذا أنا طحنت حبة من الشعير، أو سحقت حشرة، فقد نفذت القسم الأول من الفعل، لكني جعلت القسم الثاني مستحيلاً، بالتالي فإن لكل نوع من الأشياء طريقته الفذة في الإنكار، بحيث تؤدي إلى تطور ما، والأمر سواء بالنسبة إلى نوع من المفاهيم أو الأفكار.[13]
لنأخذ مثلا البيضة التي أباضتها دجاجة وحضنتها، نلاحظ أن النطفة الموجودة في البيضة تتطور تحت تأثير حرارة معينة وفي شروط معينة، هذه النطفة بتطورها ستعطي صوصا ، وهكذا فإن هذه النطفة هي سلفا نفي سابق للبيضة. فالصوص هو إثبات يخرج من نفي البيضة، هذا طور من أطوار السيرورة، لكن الدجاجة بدورها ستكون تحول الصوص، وفي قلب هذا التحول سيكون هناك تناقص بين القوى التي تصارع حتى يصبح الصوص دجاجة, و القوى التي تصارع حتى يبقى الصوص صوصا، فالدجاجة ستكون إذن نفي الصوص الذي خرج لتوه من نفي البيضة.[14]

ثانيا: قانون ترابط السيرورات: السيرورة مشتقة من اللغة اللاتينية وتعني السير إلى الأمام، من أين تتأتى الأشياء و إلى أين تسير؟ هذا هو قانون السيرورة، فتطور الطبيعة هو نتيجة تطور تناقضات الطبيعة نتيجة الفعل المتبادل بين القوى المتضادة في الطبيعة، فمن خلال الديالكتيك لا يمكن اعتبار الطبيعة تراكما عرضيا للأشياء أو حوادث منفصلة عن بعضها البعض، بل يعتبر الطبيعة كلا واحدا، وتماسكا ترتبط فيه الأشياء و الحوادث فيما بينها ارتباطا عضويا, ويتعلق أحدهما بالآخر، ويكون بعضها شرطا لبعض بصورة متقابلة، لذلك فإن أي حادث من حوادث الطبيعة، لا يمكن فهمه إذا نظر إليه منفردا، بمعزل عن الحوادث المحيطة به، بل إن أي حادث في أي ميدان من ميادين الطبيعية، يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لا معنى له، إذا نظر إليه بمعزل عن الشروط التي تكتنفه، وعلى العكس يمكن فهم أي حادث من الحوادث وتبريره إذا نظر إليه من حيث ارتباطه ارتباطا لاينفصم بالحوادث المحيطة به.[15]
من سيرورة إلى سيرورة نصل إلى فهم الظاهرة وتفسيرها، فترابط السيرورات يبين لنا أن كل شيء يؤثر على كل شيء وهذا هو قانون الفعل المتبادل، فالدياليكتيكي يرى العالم وفق هذا القانون كمجموعة من السيرورات، على عكس الميتافيريقي فهو يرى العالم عبارة مجموعة من الأشياء المتحجرة، فوجهة النظر الجدلية إذا كانت صحيحة بالنسبة للعلوم و للطبيعة فإنها صالحة حتى للمجتمع.
"إن الفكرة الكبرى الأساسية القائلة إن العالم يتكون من أشياء جاهزة منجزة، بل يتكون من مجموعة سيرورات، حيث الأشياء، التي تبدو ثابتة وكذلك انعكاسها في الدماغ، أي الأفكار, تتغير على الدوام، تنشأ وتزول وحيث التطور سيشق في آخر المطاف طريقا لنفسه رغم جميع الأعراض الظاهرة ورغم الخطوات المؤقتة إلى الوراء"
[16]
الدياليكتيكي هو لا يعتبر الأشياء "أشياء ثابتة" لكن في "حركة" لاشيء منجز البتة بالنسبة له، الشيء دائما نهاية سيرورة و بداية سيرورة أخرى في طريق التحول و النمو.
 فالمجتمع الرأسمالي هو نهاية سيرورة وسيتبعه المجتمع الإشتراكي ثم المجتمع الشيوعي، وهكذا فحسب قانون ترابط السيرورات فالتطور موجود وسيوجد بصورة متواصلة، فترابط السيرورات موجود في جميع الأشياء، هذا الترابط الذي يحدث بالقوة الداخلية للأشياء نفسها وما يسمى بالدينامية الذاتية، فعند نهاية كل مسرحية في العالم يبتدئ المشهد الأول لمسرحية أخرى، وبكلمة أصح هذا المشهد الأول ابتدأ مع آخر مشهد للمسرحية السابقة.
[17]
 
 
المبحث الثاني: مقولات الجدل

لا يستطيع بنو الإنسان الاستغناء عن مدركات ومفاهيم عامة, فالفيزيائيون على سبيل المثال يدرسون خواص مختلف الأجسام، كقابليتها للمحافظة على الحالة البدائية لحركتها الأحادية الشكل. لكنهم لا يستطيعون الاقتصار على ذلك فحسب، فالسؤال الذي يطرح نفسه عليهم لا محالة منه,  لماذا تتجلى هذه الخواص في الأجسام كافة ؟ وما المشترك بينهما ؟
هكذا صاغ الفيزيائيون بدراستهم خواص أجسام منفردة، مفاهيم عامة مثل «الكتلة»." العطالة". ولم يكتفوا بدراسة عطالة الأجسام وكتلتها بل أعطوا تعريفا عاما لهاتين الخاصيتين، وعلى نحو مماثل تكون في الفيزياء المفهوم العام «للطاقة».
لكن هذه المقولات التي تقررها العلوم العينية لا تتجاوز أبداً إطار العلم الذي قام بتحديدها. والحال أننا نعلم أنه توجد خواص عامة للأشياء والظواهر, والفلسفة هي التي تصوغ المفاهيم العامة المناظرة لهذه الخواص.
هذا وتنعكس أهم خواص الأشياء في المقولات الفلسفية نظير «المادة »
و «الحركة» و «المكان» و «الزمان» و «النوعية» و«الكمية» وكذلك «التناقص»..إلخ. والمقولات الفلسفية هي أهم المفاهيم، وعليه لا يمكن الاكتفاء بالمقولات التي تنشئها الفيزياء و الكيمياء أي (العلوم العينية) و سائر العلوم الخصوصية. وفي سيرورة المعرفة تتم صياغة مقولات فلسفية لكي تعكس أهم خواص الظواهر, هذا و سنتطرق في مبحثنا هذا إلى مقولات حركة التاريخ (مطلب أول) ومقولات بنية الأشياء و حركتها (مطلب ثاني).

المطلب الأول: مقولات حركة التاريخ

أولا: العلة و المعلول (السبب و النتيجة)

من خلال التجربة يتضح أنه لا تظهر ظاهرة بدون علة، وإنما تتولد إما عن تطورها السابق، وإما عن ظواهر أخرى. أي لاشيء يأتي من العدم، فلكل ظاهرة منبعها وما تتولد عنه. وذلك ما يسمى بالعلة، فالعلة إذن هي ما ينتج أو يولد ظاهرة أخرى، وما يظهر إلى حيز الوجود بفعل العلة يسمى بالمعلول، وعلى سبيل المثال هنا حينما يأتي الفلاحون من التعاونية بأسمدة لحقول الأرز أو القطن فإنهم يرفعون مردود هاتين الزراعتين، إذن الأسمدة هي السبب و ارتفاع المحصول هو النتيجة (المعلول).
وتعكس مقولتا "العلة" و "المعلول" الفلسفيتان العلاقة بين ظاهرتين الأولى منها تسمى "العلة" التي تولد بالضرورة الظاهرة الأخرى و تسمى "المعلول"، وهذه العلاقة تسمى العلاقة العلية إذن العلاقة الموجودة بين الأسمدة التي توضع في التربة وبين مردود الزراعة توجد وجوداَ مستقلا عن وعينا في الواقع بالذات في الطبيعة ويتضح من خلال هذا المثال أن كل علاقة علية تتولد فعلا عن أشياء موجودة، وبالتالي فأهم سمة لعلاقة السبب بالنتيجة هي طابعها الموضوعي.
 إن المفكرين الذين يتمسكون بوجهة النظر القائلة أنه يوجد في الطبيعة انشراط كوني للظاهرات مستقل يسمون بالحتميين، حيث يعتبرون أن جميع الظواهر الطبيعية تظهر بفعل هذه العلة.*
[18]
فالحتميون على مر التاريخ يكافحون النفي المثالي للعلة اللاحتمية، حيث أن المثاليين من شتى الألوان ينطلقون من المبدأ القائل بأن الإنسان يخلق العلية لراحته لكي يدخل النظام على سديم ظاهرات الطبيعة هكذا حاول الفيلسوف المثالي بيركلي أن يدحض فكرة العلية بالذات كما سعى سائر المثاليين إلى الغرض نفسه بنفيهم الوجود الموضوعي للعلية، وكان هؤلاء المثاليين يبنون أطروحتهم على المحاكمات العقلية الآتية، «إن شمعة مشتعلة تحرقنا في كل مرة نلمس فيها شعلتها، لكن لا ينجم عن ذلك ما يزعمون الحتميين أنها ستحرقنا بالحتم والضرورة في المرة التالية، ويقولون أن هاتين الظاهرتين "الشمعة و الحرق" ظاهرتان متضايفتان، لكن تضايفهما هذا لا يعني وجود علاقة علية بينهما، إن هذه المحاكمات العلية العقلية ليست صحيحة لدى الحتميين و السبب في نظر الحتميين أنهم يصدرون أحكاما على العلة انطلاقا من التجربة و الممارسة التي تبين السبب الذي يجعل النار على سبيل المثال حارقة لا محالة.»
وبعد دراستنا لمقولتي العلة و المعلول و أهميتها يجب أن نلاحظ أن العلل قابلة للتباين، فبعضها يولد ظواهر لازمة وبعضها يولد ظواهر محتملة.*
[1
9]

ثانيا: الواقع  و الاحتمال

إن مقولة الاحتمال تعبر عن قدرة المادة في عملية الحركة على أخذ أشكال مختلفة، فأية ظاهرة كانت تستطيع في شروط معينة استبدال شكل وجودها و الانتقال والتحول إلى ظاهرة أخرى على سبيل المثال (انتقال الأشكال الدنيا إلى العليا),
ويتحدد هذا الاحتمال بأن جميع الأشياء و الظواهر و العمليات توجد في حركة دائمة وتبدل متواصل، يحدث وفق قوانين معنية مستقلة عن إرادة الناس ووعيهم، ويمكن للظاهرة أن تصبح على غير حالها.
إنها تحتوي في ذاتها على هذا  الاحتمال الموضوعي، ولكن أي اتجاه يمكن أن يأخذه تبدل شيء معين وأي شيء يصبحه، كل هذا يتعلق بالشروط المعينة وبالظروف المعينة.
إذن الواقع هو الاحتمال المحقق الذي يعبر عن اتجاه الحركة المقنونة للوجود في الطبيعة و الحياة الإجتماعية.
إن احتمال واحد يستطيع أن يتحقق في أشكال متباينة تبعا لتباين الظروف (فالرأسمالية مثلا تطورت في عدد من البلدان حسب الطريقة الأمريكية)، إذن ترتبط أشكال تحقق الاحتمالات بعدد من الظروف، فمثلا بإمكان جني محصول من القمح لا بأس به  في أي مكان كان في العالم الجاري مرتبط بالعديد من العوامل المقنونة كنوع البذار، وتحسين حراثة الأرض، وانتقاء الدورة الزراعية الصالحة).
إلا أن هذا الاحتمال مرتبط بظروف تصادفية كثيرة ككمية الرواسب وأيام السنة المشمسة، و الطقس في زمن الحصاد). لهذا فعند ظهور احتمال ما ينبغي دراسة العوامل الضرورية و التصادفية التي تحدد هذا الاحتمال.*
[20]
هذا فإن العديد من الاحتمالات موائمة للإنسان، بيد أنه ثمة احتمالات أخرى لا تعود عليه إلا بالكوارث والآلام ومن قبيل ذلك الرياح التي تهب من الصحارى، والجفاف و الفيضانات....إلخ
ويسعى العلم بالاستناد إلى دراسة لزوم القوانين، إلى الحد من فعل هذه الآفات، كيف يمكن إذن الحد من فعل ما ليس منوطا بإرادة الإنسان ؟.
في الحقيقة لا يمكن على الدوام تلافي الاحتمالات، ولكن من الممكن ومن الواجب إنقاء شر آثارها، فلا سبيل في الوقت الحاضر مثلا لتلافي الاحتمالات المرتبطة بنزوات الطقس التي قد تؤدي إلى تلف المحاصيل الزراعية. ولكن من الممكن الحد من آثارها عن طريق التأثير على الشروط التي تتجلى فيها.
وبالتالي فالإنسان إذن عاجز أمام المصادفة، إنما هو يملك القدرة على شل آثارها الضارة أو تقليصها إلى أدنى حد, هذا وترتبط مشكلة الحرية وثيق الارتباط بمقولة اللزوم*
[21]
 

المطلب الثاني: مقولات بنية الأشياء و حركتها

أولا: مقولات بنية الأشياء: المضمون و الشكل

إن لكل شيء ولكل ظاهرة صفات متميزة وسمات جوهرية، ومجموعها يؤلف مضمون الشيء المعطى، فمثلا مضمون كتاب من الكتب يتمثل في الأحداث، والناس الذين يصورهم المؤلف فيه, وكذلك الأفكار التي يعرضها، أما الشكل فيتمثل في اللغة، الصور و الأوصاف التي يلجأ إليها المؤلف للتعبير عن المضمون. إذن فالمضمون لابد أن يكون له شكل، فلا مضمون بدون شكل مناسب، هكذا فإن لكل ظاهرة ليست لها مضمون فحسب وإنما لها أيضا شكلا، وهذا الأخير هو تنظيم المضمون و جعله ممكن الوجود.
إذن يؤلف الشكل و المضمون وحدة، وهما يترابطان في كل شيء و في كل ظاهرة أوثق الترابط، فالسؤال المطروح هنا، ما هي المقولة السائدة الحاسمة في هذه الوحدة المترابطة، هل الشكل أم المضمون؟ إن ترابط الشكل و المضمون لا يعني أن شكلا واحداً لا أكثر يجب أن يطابق مضمون واحد محدداً، وذلك واضح من خلال الأمثلة التي تقدمها الحياة الإجتماعية، حيث يفرض المضمون الشكل طبقا لشروط تاريخية عينية، لهذا لا يمكن أن يوجد شكل واحد ثابت وجامد. فمثلا يمكن للثورات القومية و الكولونيالية التي تشكل مضمون التحولات الإجتماعية يمكن أن تتم بأشكال بالغة التنوع، فقد تكون سليمة أوغير سليمة. فأثناء الثورة يمكن أن يعاد استعمال بعض أشكال الحكم القديمة لوضعها في خدمة الشعب ولملئها بمضمون جديد.
لكن إذا كان الشكل تابع للمضمون، فهل يعني ذلك أنه لا يلعب أي دور؟ كلا، لا يجوز أن نهون من شأن الشكل الذي يمارس تأثيراً على المضمون، فمثلا لنأخذ أستاذ يلقي محاضرة و بعد جمعه مواد و معلومات كثيرة وهامة، لكن الشكل الذي عرض به أفكاره إذا كان شكلا باهتا، فهنا لهذا الشكل تأثير بالغ على المضمون، وبالتالي إذن فالمضمون يؤثر على الشكل وكذلك فإن الشكل يرد بالتأثير على المضمون، ورد فعل يمكن أن يكون من نوعين، فإذا طابق الشكل المضمون ساهم في تطوره، بينما إذا لم يطابقه أربكه وأعاق تطوره، إذن لكل دوره, وفي جميع الأحوال فعال.*
[22]

ثانيا: مقولات حركة الأشياء: الضرورة و الحرية

لقد كان هيغل سباقا إلى تقرير العلاقة بين الحرية و الضرورة بصورة صحيحة، فعنده أن الحرية هي تقدير الضرورة حق قدرها.
أي أن الضرورة لا تكون عمياء إلا بقدر ما لا تكون مفهومة، فالحرية إذن لا تستقيم في حلم الاستقلال عن القوانين الطبيعية، بل في معرفة هذه القوانين، وفيما تمنحه هذه المعرفة من أمكانية تشغيل تلك القوانين بصورة منهجية في اتجاه أهداف محددة، وإن هذا لينطبق سواء على قوانين الطبيعة الخارجية أم على القوانين التي تسير الوجود الجسماني و الذهني للبشر أنفسهم، وهما صنفان من القوانين يمكننا على الأكثر أن نفصلها عن بعضهما البعض في الفكر لكن ليس في الواقع، وهكذا فإن حرية الإرادة لا تعني أكثر من القدرة على اتخاذ القرارات بعد الإطلاع على حقيقة الأمر، وبالتالي فإنه بقدر ما تكون محاكمة الإنسان بشكل مسألة معنية أكثر حرية، فإن بالضرورة التي سيتحدد بها مضمون هذه المحاكمة تكون أعظم، في حين أن التردد القائم على الجهل. هذا التردد الذي يبدوا أنه يقوم باختيار اعتباطي بين قرارات عديدة مختلفة ومتنازعة، يفصح من جراء هذا الواقع بالضبط انعدام حريته. وهكذا فإن الحرية تستقيم في السيطرة على ذواتنا وعلى الطبيعة الخارجية، وهي سيطرة مؤسسة على معرفة الضرورة الطبيعية. وهي إذن نتاج بالضرورة للتطور التاريخي.
لأن البشر الأولين الذين انفصلوا عن المملكة الحيوانية قد كانوا في سائر الشؤون الجوهرية منعدمي الحرية بقدر الحيوانات نفسها.لكن كل خطوة إلى الأمام في ميدان الحضارة قد كانت خطوة إلى الأمام في اتجاه الحرية. وإنه لينهض على عتبة التاريخ الإنساني اكتشاف إمكانية تحويل الحركة الميكانيكية إلى حرارة. ذلك هو إنتاج النار بواسطة الاحتكاك وإنه لينهض عند ختام التطور الذي اجتازه الإنسان حتى الآن اكتشاف لإمكانية تحويل الحرارة إلى حركة ميكانيكية. ذلك هو المحرك البخاري.*
[23]

الفصل الثاني: انتقادات المنهج  الجدلي و ارتباطاته السياسية

بناء على ما سبقت الإشارة إليه في ما يتعلق بالمنهج الجدلي كوسيلة للتحليل و التعليل و التفسير و كذلك التغيير, لا يمكن أن ألا يكون المنهج الجدلي قد لقي ألذ انتقادات من طرف خصومه ومعارضيه التواقين إلى نوع من المعرفة العلمية الساعية إلى تزييف الواقع وإظهاره بمظهر اللاتناقض والجمود والركون...الخ, سواء من الناحية الفلسفية أو النظرية أو الممارساتية, و بصفة عامة من الناحية المعرفية, فكل معرفة معرفة علمية لا يمكن أن تكون معرفة مطلقة ما دام الكل في سيرورة و تغير دائمين, كذلك لا يمكن أن نقر بأن كل منهج منهج بالضرورة لا يمكن أن يأتي كاملا متكاملا ما دام العالم في حركة و صيرورة تاريخيتين, هكذا إذن نستنتج بأن كل معرفة و بالتالي كل منهج علمي لا يمكن فصله عن الواقع الموضوعي الذي ترعرعت في كنفه, فالمنهج الجدلي بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه  له ارتباطات بالواقع الموضوعي الاجتماعي بواقع التغيير من الناحية السياسية بالدرجة الأولى, فالمنهج الجدلي له علاقة ترابطية بالواقع ما دام يضم في طياته العديد من الأفكار المتناسقة و المنسجمة والتصورات عن العالم من اجل تغييره.
إذن فإلى أي حد يمكن أن تكون تلك الانتقادات الموجهة للمنهج الجدلي انتقادات علمية ما دام أنه حسب التعابير الماركسية يلزم الشك في كل شيء؟ وكيف يمكن أن نفسر الارتباطات السياسية للمنهج الجدلي؟ وهل قوانين الجدل تبقى سارية أم أنها تبقى قوانين للخروج من التناقض الاجتماعي فقط؟
وفي هذا الفصل حاولنا معالجته من خلال تقسيمه إلى مبحثين:
المبحث الأول: انتقادات المنهج الجدلي
المبحث الثاني: الارتباطات السياسية للمنهج الجدلي

المبحث الأول :انتقادات المنهج الجدلي

إن كل انتقاد للنظرية الماركسية هو بالنتيجة انتقاد للمنهج الجدلي نظرا للارتباط القوي و الوثيق الذي يوجد بينهما . و لهذا فان أول انتقاد سيوجه للمنهج الجدلي ستكون على هذه الخلفية السياسية التي تكمن وراءه.
ومن هذا المنطلق سنحاول إبراز أهم الانتقادات السياسية للمنهج الجدلي ومدى عملية هذه الانتقادات (المطلب الاول) وانتقاد بعض قوانين الجدل (المطلب الثاني)

المطلب الأول :الانتقادات السياسية

إن انتقاد النظرية الماركسية هو في حد ذاته انتقاد للمنهج الجدلي الذي يعتبر أساس الفلسفة الماركسية .
فمن بين الانتقادات أكثر شيوعا إعطاء ماركس أهمية كبيرة للجانب الاقتصادي في تحديد كل الظواهر الاجتماعية مغفلا بذلك العوامل الأخرى المتمثلة في كل من العوامل الثقافية و السياسية والدينية التي كان لها دور كبير ليس في تحديد الظواهر الاجتماعية فحسب, بل في تحديد حتى المستوى الاقتصادي.
ويزيد من تأكيد هذا الانتقاد فشل ماركس في تنبئه بالثورة التي ستحدث في بريطانيا التي تعتبر فيها العلاقات الاقتصادية بلغت مستوى من النضج في حين ستحدث الثورة في مجتمع لا يحكمه بعد منطق الرأسمال. يقول "انيانا سترنبغ" عن التفاعل بين السياسة و الاقتصاد الذي يشكل السمة الأساسية لتطور جميع الدول وسائر الشعوب, يمكن أن ترسم خطوطه هنا بالطرق الدقيقة فكما أن الدور السياسي الذي يصبح من نصيب شعب ما يحدد تطور قواه و بنية مؤسساته الاجتماعية وإعدادها على حد سواء, كذلك تحدد القوة الفطرية لهذا الشعب,  وقوانين التطور الطبيعية مقياس نشاطه السياسي و طبيعته, و بهذه الطريقة على وجه الدقة, فان النظام السياسي للكارولينجين اثر في تحول النظام الاجتماعي وفي تطور الحالة الاقتصادية التي كان يعيش فيها في ذلك الحين...
[24]
ومن هذا المنطلق فان العامل الاقتصادي ليس المحدد الوحيد لحركة التاريخ وتطور المجتمعات, بل إن العوامل السياسية و الثقافية و الدينية لها في كثير من الأحيان دور المحدد مما يجعل المنهج الجدلي في مثل هذه الحالات قاصرا عن إيجاد و بحث أسباب هده التغيرات و التحولات الاجتماعية.
ومن جانب آخر فانه يؤخد على ماركس و انجلز في تأصيلهما لنشأة الدول في التاريخ الأوروبي في تصور العالم , وتعميم النموذج الأوروبي على تاريخ مجتمعات العالم  غير الأوروبي, إذ يقتصر التصور المذكور على قراءة منهجية تاريخية مادية لتصور الدولة عبر النمودج اليوناني و الروماني والجرمان
[25] , دون التعرض لباقي المجتمعات إلا بشكل سريع , وهو ما جعل النظرية المركسية إن نجحت في بعض الدول فإنها تكون قاصرة في كثير من الدول الأخرى وهذا ما يمكن ان نلاحظه في محاولة لينين لتطبيق (الفكر الماركسي) و تعامله مع القضايا الخارجية و اصطدامه بمجموعة من الصعوبات جعلته يدرك الخصوصية المحلية للبلدان ذلك أن كل بلد لديه خصوصيات معينة (دينية ثقافية سياسية و كذا اقتصادية ) تجعل من الصعب أن نطبق فيها الفكر الماركسي, فالأحزاب الشيوعية مثلا واجهت صعوبات كثيرة لأنها أغفلت الخصوصية المحلية لمجتمعاتها . لهذا لم يستطيع (الحزب الشيوعي الهندي) إحراز أي تقدم في عمله السياسي . لأنه ركز جهوده على إثبات حتمية التطور الرأسمالي في الهند مع أن الهند ليست رأسمالية. نفس الشيء حدث للأحزاب الشيوعية العربية . وهذا ما نجد "سوروكين" يركز عليه في كتابه علم التحرك الاجتماعي والثقافي حيث وصف الخصوصية المحلية " بأنها ضرورية وهامة و من الخطورة إلغاؤها و إلغاء الخصوصية الثقافية والحضارية للشعوب الأخرى".
وهو ما يجعلنا نقول بان المنهج الجدلي إن صلح تطبيقه في كثير من المجالات, فان ذلك لا ينطبق عليها كلها .
  هنا نطرح تساؤل حول مدى علمية هذه الانتقادات و إلى أي حد تعتبر صحيحة؟
إذا انطلقنا في بحث كتابات ماركس و انجلز فإننا سنجد إجابات عن هده الانتقادات و سنرى بأنه ليس بالأمر الجديد, بل سبق لهم أن أشاروا في العديد من المناسبات أن لزوم التحديد لا يقتصر على العوامل الاقتصادية بل يتعداه إلى العوامل الأخرى في إطار جدلية التفاعل ما بين البناء المادي التحتي والبناء الفوقي, يقول ماركس: "إن المؤسسات الحقوقية و السياسية تقوم على أساس العلاقات الفعلية بين البشر في عملية الإنتاج الاجتماعية و إن هذه المؤسسات لتساهم خلال مرحلة معينة في تطور قوى الشعب الإنتاجية وفي ازدهار حياته الاقتصادية
[26]  
 ويقول انجلز:"  لم نؤكد في يوم من الأيام لا ماركس و لا أنا, أما إذا شوه احدهم هذه الموضوعية  بمعنى أن العنصر الاقتصادي هو على حد زعمهم  العنصر الحاسم الوحيد, فانه يحول هذا التأكيد إلى جملة مجردة لا معنى لها و لا تدل على شيء . إن الوضع الاقتصادي إنما هو الأساس ولكن مختلف عناصر البناء الفوقي تؤثر هي أيضا في مجرد النضال التاريخي و تحدد على الأغلب شكله في كثير من الأحيان ...
[27]
إذن فالجدال الماركسي لا يغيب هذه الحالات و لكن يؤكد أن الأساس في آخر المطاف هو الاقتصاد, بالرغم من الاستقلالية النسبية التي تكون لما هو سياسي و ثقافي و ديني .
و بالتالي يمكن القول أن هده الانتقادات تضل مجرد محاولات لتجاوز النظرية الماركسية من منطلق إيديولوجي ليضل النقد الوحيد الذي قد يعتري المنهج الجدلي في إطار الهدف المحدد لهذه الأخيرة و المتمثل في الحقيقة العملية, و التي تستدعي التجرد من كل نظرية و إيديولوجية باعتبارهما عوائق ابستيمولوجية, لان الأمر هنا لا يتعلق بمدى عملية المنهج الجدلي بل بمدى علمية النظرية الماركسية.

المطلب الثاني: في نقد بعض أصول المنهج الجدلي:

كما رأينا في الفصل الأول فإن الجدل الماركسي يقوم على مجموعة من القوانين. وهي تلك القوانين التي وضعها كلا من الزميلين ماركس وانجلز, منها وحدة الأضداد و صراعهما، تحول الكم إلى كيف ونفي النفي....إلخ. وسنحاول في هذا المطلب إعطاء بعض الانتقادات التي وجهت لبعض هذه القوانين، وسنخص هنا وحدة الأضداد وصراعها، وكذا نفي النفي.
وحدة الأضداد وصراعها: لقد ارتأينا أن نبدأ بهذا الركن لكونه يعد المحرك الأساسي في بنية المادة، و الباعث الأول لها على الخضوع للقوانين الأخرى للدياليكتيك. وقد انتقد هذا الركن من طرف كثير من المفكرين لكونه يحمل في طياته عدة تناقضات.
فالتضاد معناه أن يكون شيئان متعاكسان، أي لا يمكن إلتقاؤهما، فإذا حدث أن إلتقيا فإن ذلك يكون إما وهما أو أنهما ليس متناقضين. فمثلا  الأبيض الناصع و الأسود القاتم هما متضادين، وكذا الحركة والسكون، الليل و النهار. هذه كلهما أضداد لايمكن إلتقاؤها، و المتضادان لا يمكن أن يشتركا في تمام الماهية، وإلا فإنها متماثلان وليس متضادان. فالضدان إذن، كل صفتين لا تشتركان في أي جزء من أجزاء الماهية مطلقا، بحيث يكون كل منهما سلبا للآخر. ومن أحكام الضدين أنها لا يمكن أن يجتمعا تحت ظل من وحدة الموضوع و المحمول، و الزمان و المكان، وقيود الصفة. ويعبر عن ذلك كله بوحدة النسبة
[28].
 و حصيلة القول، أنه إذا قام التضاد الحقيقي بين شيئين، ولم يكن وهما عالقا بالذهن، فإن عدم إمكان اجتماعهما في ظل الوحدات التي ذكرناها، قرار بديهي ضروري لا مجال للإرتياب فيه
[29].
ذلك هو المعنى العلمي المتفق عليه للتضاد بين شيئين, غير أن أئمة الماركسية يرون بأن أصغر جزيئات المادة في أضيق وحدات الزمان ليس إلا ملتقى للأضداد المتراكمة والمتصارعة ذلك هو المعنى المراد ب(وحدة الأضداد). يقول لينين «الدياليكتيك هو دراسة التناقض في جوهر الأشياء عينه»
[30]. وحالما نأخذ الأشياء بعين الاعتبار في حركتها، في تبدلها، في حياتها وفي فعلها المتبادل في بعضها البعض، عندئذ ننخرط حالا في التناقضات. وإن الحركة نفسها هي تناقض. ذلك أن تغير المكان الميكانيكي البسيط لا يمكن هو نفسه أن يتحقق إلا لأن الجسم الواحد هو في موضع واحد وفي موضع آخر في نفس البرهة الزمنية، لأنه في نفس الموضع الواحد من دون أن يكون فيه أيضا، وإن النشوء المتواصل لهذا التناقض و حله المواقت، هما بالضبط ماهية الحركة [31]. فالحركة إذا هي المثال المفضل لتنافي الأضداد عند إنجلز، كما أنه المثال المفضل لذلك عند لينين في تعليقاته الفلسفية[32].
وفي هذا الصدد نجد لينين في تحليله معنى الحركة بطريقته الخاصة ، يقول«...حينما نتكلم عامة عن الحركة نقول، أن الجسم هو في محل، ثم يذهب لآخر, فحينما يتحرك لم يعد في المحل الأول، لكنه ليس بعد في الثاني، إذا كان في أحدهما فهو بلا حركة، إذا قلنا أنه بين الاثنين لم نقل شيئا...»
[33]. وبهذا يجيب سعيد البوطي، فالجسم بمجرد أن يزحزح عن المحل الأول فإنه أصبح في الثاني. لأن الأول، والثاني و الثالث، ليس كل منهما وحدات ذاتية منفصلة مرصوخة بعضها إلى جانب بعض على أرضية تحملها و تصل ما بينها بجسور- حتى يرد هذا التصور ثم هذا السؤال- بل هو كل واحد، كما أن الزمان كل واحد[34] وقولنا الموضع  الأول، الموضع الثاني ليس إلا توزنعا اعتباريا فقط. فالميزات المكانية متواصلة تواصلا تاما. كما أن الأنات الزمانية متصلة هي الأخرى اتصالا تاما، بمعنى أن الوحدات المكانية الدقيقة ليست مجموعة من شتات، و مرصوفة بعضها إلى جانب بعض على شيء ما، حتى نبحث عن الجسر الواصل بين الحيز و الحيز الذي يليه ، كما تبين من نظرة لينين"أن هناك مسافة بين النقطة الأولى و الثانية فيها تتلاقى الأضداد" بل إننا نقول أن انقسام المكان إلى وحدات صغيرة وصغيرة جداً، ليس أكثر أمر اعتباري وفرضي يقتضيه حجم الجسم المتحرك ، شأنه في ذلك شأن الزمان تماما[35].
إذن تلك هي قصة وحدة الأضداد في أوضح ما انتقاه انجلز من الأمثلة ليواجه به دوهرينغ في نقاشه معه، وهو ذاته المثال الذي تحدى به بيلخانوف أشد أعداء الدياليكتيك. وقد تبين لنا الأسس التي بني عليها هذا التناقص، ومدى صحتها و صدقيتها.
أما ما يرونه من التضاد بين الوعي و المجتمع، بمعنى أن كل منهما يؤثر في الآخر ومتأثر به في آن واحد، إنما هو من قبيل التضايق، ولا شأن له بالتضاد الحقيقي إطلاقا. أي أن التضاد بين المجتمع والوعي نسبي فقط. لأن الوعي بالنظر للمجتمع الذي سبقه منفعل و متأثر، وبالنظر للمجتمع الذي ظهر على إثره فاعل و مؤثر، فالجهة منفكة ووحدة النسبة منتفية.
وهكذا فإن الماركسية تجعل من هذه الأمثلة كلها ذخرا و شواهد، لدعم ما تراه أهم قانون من قوانين الدياليكتيك المهيمن على حركة المادة و الحياة، ألا وهو تصارع الأضداد في وحدة الموضوع ضمن وحدة من الزمان و المكان. غير أن نظرة فاحصة و تأملية تثبت خطأ هذا التصور كله.
تحول الكم إلى كيف: إن مقولة الكم يمكن تقسيمها إلى كم منفصل وكم متصل.
فالكم المنفصل يقال عن الأشياء التي لا تجمع بينها حدود مشتركة. ومن هنا جاز القول بانفصالها بعضها عن بعض.(مجموعة من الأحجار). فحدود النهاية لكل منها ليس بداية لأي واحدة أخرى لقيام الانفصال الواضح بينها. أما الكم المتصل فيقال على كل ما يجمع بين أجزائه أو وحداته التقديرية حدود مشتركة. مثال ذلك صخرة كبيرة تزن 10 أطنان فهناك حدود مشتركة تؤلف بين أطنانها العشرة، بمعنى أن السطح الذي يفترض أنه نهاية لحدود الطن الواحد منها، هو عينه بداية الطن الذي يليه، فكمومها، من أجل ذلك متصلة.
[36] والحد الذي نتحدث عنه هنا هو بالنسبة للكم المتصل هو حد اعتباري، يختلف حسب اختلاف الواحدات التي يراه تقسيم الكم المتصل إليها.
إذن بعد أن تبين لنا الفرق بين الكم المتصل و الكم المنفصل. يمكن القول أن الكم المنفصل لايبدع أي كيفية، إذ لا يوجد أي جسر موصول بينه وبين ما قد يتصور أن يحدث من كيفيات، باستثناء ما تتمتع به جزئياته من كيفيات ذاتية، كل منها مستقل عن الأخرى، فإضافة عشرة أحجار إلى مائة  حجر متراصن أو متناثر في مكان ما لا يمكن أن تنبثق عنه أي كيفية ذات أهمية, نفس الشيء يقال عن زيادة الثمار في الشجرة...إلخ. ونقصد هنا كيفية ذات أهمية، وليس تلك الكيفية الميتة التي لا جدوى منها، ولا تصلح أن تحتضن أي نواة قد تترعرع لإحدات قفزة على حد تعبير هيجل. ففي حالة أولى حينما تتعلق خصائص الجزئيات في الكم المنفصل بكل واحد، حيث تتشابك فعالياتها المتناثرة ضمن وعاء جامع، فقد تنبثق عندها كيفية من هذه التشابك، ويصدق أن تبدل الكيفية ملازم لهبوط أو صعود الكمية. غير أن الكم المنفصل، يحمل خصائص الكم المتصل الآتي ذكره، وذلك بسبب ترابط وحداته المنفصلة بجسور تجعل منها كتلة واحدة،  وربما عده البعض في الكم المتصل.
وفي حالة ثانية حيث يتدخل الوعي فيؤلف بين أشتات هذه الوحدات فيحقق الكيفية المطلوبة, كما إذا تزايد المال أو تزايد القيمة المتبادلة بين الملاك, فان في استطاعتهم إذا شاؤو  أن يجعلوا من القيمة الفائضة راس مال تجاري . إذن يظهر لنا جليا أن الكيفية هنا لم تتولد من زيادة الكمية المتصلة بل من تحكم الوعي بهذا الكم المتزايد و تحريكه في خدمه الغاية المنشود في الذهن, و ابرز دليل على ذلك أن الكيفية المنبثقة في هذه الحالة ليست نتيجة حتمية لا بديل عنها , بل يعود الأمر هنا لما يحدده الوعي ,  فبالإمكان عدم استثمار القيمة الفائضة و تخزينها فقط و بالتالي  لن تتحقق الكيفية .
أما بنسبة للكم المتصل فالكيفية من عوارضه الملازمة له وهو شيء يقرره الفلاسفة جميعا ويقضي به المنطق و الحس, ذلك أن أي زيادة أو نقص قد يقع تأثيره على جميع أجزائه وبالتالي تتحقق من ذلك كيفية جديدة وتختلف هذه الكيفية حيث تتفاوت قوة و ضعفا و ظهورا و خفاءا, وذلك حسب نسبة الزيادة الطارئة على الكم أو العكس.
وهذه الكيفية قد تنتهي بقفزة تنتقل بسببها من نوع إلى نوع,  وفي بعض الأحيان من جنس إلى جنس وقد لا تنتهي بأي قفزة قد تكون القفزة قفزة نحو الأتم  والأكمل . وقد تكون نحو التراجع و النقصان
[37]
اذن فالقول بان الكم يتحول إلى كيف صحيح إذا كان كما متصلا . والقانون الفلسفي يعبر عن ذلك بان "الكيف من عوارض الكم".[38]
إن المعروف ان سائر التحولات الكيميائية و القوانين الهندسية . و الطاقات الحياتية إنما تخضع لقانون ملازمة الكيف للكم بشرط إن يكون الكم متصلا إما بذاته أو عن طريق الصهر والتآلف .
وهناك أمرين فيما يتعلق بالقفزة . الأول أن الذي يطيب للماركسية أن يعبروا عنه بالقفزة ليس أكثر من النتائج التي قد تبدو مفاجئة . عند فقدان التناسق المطلوب بين الأسباب و أثارها بسبب خلل ناتج عن زيادة أو نقصان بالنسبة للحد المطلوب أو بسبب ظهور عامل جديد.
فالماء الذي يتحول إلى بخار فوق سطح البحر وتحمله السحب, ليس حتما أن تتحول السحب إلى ماء هاطل, ما دام الجو يبث كمية من الحرارة تتفق و احتفاظ هذه السحب ببخارها, غير أنها سرعان ما تتحول إلى ماء إذا هبطت درجة الحرارة فيها إلى مستوى يسمح لها بان تحول تلك الأبخرة إلى إمطار هاطلة.
وهذا بذاته ينطبق على المثال الذي يطرحه دعاة المادية الدياليكتيكية وهو مثال الماء, إذ تتعالى درجة حرارته إلى المائة, و فجأة يبدأ بالتبخر إن من المغالطة بأن تراكم الكميات التي تتمثل هنا في تزايد درجات الحرارة هو الذي ولد بمجموعه القفزة أي حالة التبخر . ذلك لان الذي ولد أو أوجد هذه القفزة  إنما هو غليان الماء هو سبب جديد ظهر . وغليان الماء إنما هو كيفية في حد ذاته وليس مجموعة كموم متراكمة تجسدها مجموعة الدرجات الاعتبارية لحرارة الماء ذلك لأننا نعلم جميعا بان تعداد الدرجات ليست إلا مقياسا اعتباريا نضبط به الكيفيات المتدرجة.
أما الأمر الثاني فيتمثل في كون القفزة ليس من الحتم أن تتجه دائما إلى الأعلى, أي إلى الأتم والأفضل والأكثر فائدة وتعقيدا كما يقول الماركسيين, بل  الأمر في ذلك عائد إلى ما يقتضيه السبب الدافع فربما جاءت قفزة إلى الأمام, وربما كانت قفزة إلى الخلف,وذلك ما يمكن أن نلحظه من كل ما ذكرناه.
إذن هذه كانت مجموعة من الانتقادات, التي أخذت على قوانين المنهج الجدلي ذلك أننا لم نتطرق إليها كلها ولا يمكن الجزم بعلمية كل هذه الانتقادات كما لا يمكن أن ننفي عنها جانبها من الايجابي حيث انها تبين لنا مدى أهمية المنهج الجدلي.
في المبحث الثاني أن سنبين جملة ارتباطات  المنهج الجدلي السياسية.
 
 
المبحث الثاني: الارتباطات السياسية للمنهج الجدلي

إن المنهج الجدلي المعتمد في العلوم الاجتماعية لا ينفصل ولا يتكون بمعزل عن الوقائع في صيرورتها و تطورها, بل المنهج الجدلي المادي له ارتباطات مرحلية من ناحية, من خلا الارتباط السياسي في مرحلة الانتقال, ومن ناحية أخرى فإن الجدل بقوانينه و مقولاته الأساسية له ارتباط أيضا بمسألة الطور الأعلى التي تلي مرحلة الانتقال. ومحاولة منا البحث في هذا الشق المتعلق بالارتباطات السياسية, حاولنا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأول: الارتباط المرحلي بالدولة الاشتراكية
المطلب الثاني: اضمحلال الدولة وخلود قوانين الجدل

المطلب الأول: الارتباط المرحلي بالدولة الاشتراكية

لعل أولى المؤاخذات التي يمكن تسجيلها ونحن بصدد البحث في هذا الشق المتعلق بتوضيح الارتباطات السياسية للمنهج الجدلي بالدولة الاشتراكية, يمكن صياغتها على الشكل التالي:
إذا كان المنهج الجدلي على غرار العديد من المناهج الأخرى يعتبر من ضمن الآليات و الوسائل البحثية المندرجة ضمن العلوم الاجتماعية, وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول علمية هذا المنهج ما دام أن هذا الأخير مرتبط بشكل تبعي بمؤثرات سياسية وإيديولوجية في آخر المطاف؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي منا القياس العلمي للنظرية المعرفية التي من خلالها تم تحديد المنهج الجدلي كمنهج للبحث في العلوم الاجتماعية, وهي النظرية الماركسية التي تعتبر بمثابة تصور عام عن المعرفة يشمل في طياته العديد من الحقول المعرفية المترابطة غير القابلة للتمفصل والتجزيء منها ما هو أنطولوجي وما هو نفسي وما هو اجتماعي وما هو اقتصادي وسياسي..., فعلى ضوء هذه المقاربة يمكن أن نتساءل: ما هي محددات وتجليات ارتباط  المنهج الجدلي بمفهوم الدولة الاشتراكية؟
يقول ماركس:" إن مفهوم التاريخ الذي طورناه لتونا, يعطينا بعد أيضا, في آخر المطاف النتائج التالية: في تطور القوى الإنتاجية, تأتي مرحلة حيث تولد قوى إنتاجية ووسائل تداول لا يمكن إلا أن تكون ضارة بالعلاقات القائمة, فهي ليست بعد الآن قوى إنتاجية, بل قوى مدمرة وتوليد أيضا, وهذه حقيقة مرتبطة بالحقيقة السابقة, طبقة تتحمل جميع أعباء المجتمع دون أن تستمتع بامتيازاته, طبقة تطرد من المجتمع وتجد نفسها بصورة إلزامية في المعارضة الأكثر علنية مع جميع  الطبقات الأخرى, طبقة تشكل غالبية أفراد المجتمع ومنها ينبثق وعي ضرورة ثورة جذرية, الوعي الذي هو الوعي الشيوعي, والذي من المفروغ منه أنه يمكن أن يتشكل لدى الطبقات الأخرى أيضا بفضل مشاهدة وضعية هذه الطبقة"
[39].
فالمنهج الجدلي الذي يطبقه ماركس و انجلز, لتحليل الظواهر و الوقائع له ارتباطات سياسية واقتصادية كذلك, فمن خلال المادية التاريخية التي يطبقانها لدراسة أطوار التكوين الاجتماعي, حاولا أن يستكشفا حركة التاريخ في تناقضاته وصراعاته وتجدداته, على اعتبار أن التاريخ يتحرك وفق قوانين الجدل ومقولاته التي سبق ذكرها, هاته القوانين الثابتة في المنهج الجدلي كسبيل لإيجاد حلول للظواهر و الوقائع, يطبقها ماركس على المجتمع والدولة و الفكر, وللبحث -حسب المفاهيم الماركسية- في أي مجتمع أو أي ظاهرة يجب البحث في اقتصاده لا في فلسفته. فماركس يعطي أهمية كبيرة للاقتصاد في دراسة أي طور من أطوار التكوين الاجتماعي.
فالبنية الاجتماعية أو التكوين الاجتماعي, يتكون من بنيتين تحاول الواحدة فيها الحفاظ على العلاقة والأخرى تحاول فك التناقض, فالبنية الفوقية القانونية للدولة الرأسمالية تحاول دائما أن تحافظ على التناقض القائم ما بين المالكين لوسائل الإنتاج وبين من لا يملكون سوى قوة عملهم, لديمومة الصراع وتأبيده. ففي البنية الرأسمالية  هناك علاقة جدلية بين البنية الفوقية و البنية التحتية الاقتصادية أي بين الميدان السياسي في أسلوب الإنتاج الرأسمالي, هذا الأسلوب الذي يضم مستويات مختلفة, اقتصادية وسياسية و إيديولوجية ونظرية, يتميز بنمط من الوحدة المعقدة التي يحكمها الاقتصاد في نهاية المطاف, أي اعتبار الاقتصاد هو المحدد لفهم التناقض الاجتماعي وحركية الصراع داخل المجتمع. لكن إن كان الاقتصاد هو المحدد في نهاية المطاف في أسلوب الإنتاج الرأسمالي, فمن هو الحاسم إذن؟
إن العلاقات التي يتألف منها أي مستوى من مستويات التكوين الاجتماعي ليست علاقات بسيطة, بل هي كما ذكرنا سابقا محكومة بالحتمية المعقدة لعلاقات المستويات الأخرى في هذا التكوين, بل وأكثر من ذلك, فإذا كان الاقتصاد هو الذي يحدد البنية الاجتماعية في نهاية المطاف, فإن هذا لا يعني أنه يلعب فيها دائما دور العامل المسيطر. وإذا كانت الوحدة, وهي البنية الخاضعة لعامل حاكم في نهاية المطاف, تفترض في أي أسلوب إنتاجي سيطرة مستوى معين, فما ذلك إلا لأن الاقتصاد هو المستوى الحاكم في النهاية باعتباره المستوى الذي يحدد المستوى المسيطر في أي أسلوب إنتاجي, فهو الذي يتحكم في انتقال السيطرة من مستوى إلى آخر نتيجة لتغير مراكز المستويات المختلفة.
[40]  أما المستوى السياسي فهو المستوى الحاسم في الصراع الطبقي, وحسب عبارات لينين:"أما أن المصالح الاقتصادية تلعب الدور الحاسم, فإنه لا يترتب على ذلك في حال من الأحوال أن النضال الاقتصادي(= المهني) ذو أهمية أولية, ذلك أن مصالح الطبقات الأكثر جوهرية, المصالح الحاسمة, لا يمكن أن تلبى على العموم, إلا بتحولات سياسية جذرية..."[41]
هكذا إذن يتضح لنا أن المنهج الجدلي له ارتباط سياسي بالواقع الاجتماعي, وبمسألة التغيير بالدرجة الأولى, وخصوصا الارتباط المرحلي بالدولة الاشتراكية باعتبارها مرحلة انتقالية, تتحرك وفق قوانين الجدل المادي ومقولاته, وهاته الأخيرة هي التي تتحكم وتفسر كل التكوينات الاجتماعية.
فكل بنية اجتماعية وكل تكوين اجتماعي يحمل في طياته وفي جوهره تناقضات يقضي بالضرورة الجديد منها على القديم.
فالبنية التحتية التي تحدد البنية الفوقية –كما سلف الذكر- تتحرك وفق قوانين الجدل المادي, وذلك بالنظر إلى أن أسلوب الإنتاج باعتباره وحدة معقدة, يضم عناصر ثابتة من قبيل قوة العمل ورب العمل أو المالك لوسائل الإنتاج, هذين العنصرين المتناقضين فيما بينهما يوجدان في مركب نوعي يشكل المستوى الاقتصادي, والذي يتألف من علاقة مزدوجة تحكمها علاقة التملك الفعلي وعلاقة الملكية.
"فالبروليتاريا و الثروة  -كما يقول ماركس- ضدان, و بصفتهما هذه يشكلان كلا. إنهما شكلان لعالم الملكية الخاصة. والمقصود هو تعيين المكان الذي تحتله كل منهما في التناقض, ولا يكفي أن نقول أنهما طرفان لكل واحد".
[42]
فحركة التاريخ من منظور جدلي بمنطق الضرورة تهدف إلى القضاء على الملكية الخاصة والانتقال إلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج في الدولة الاشتراكية المحكومة هي كذلك بحتمية الزوال. إن  الملكية الخاصة ملزمة, بوصفها ملكية خاصة أو ثروة, بالمحافظة على ذاتها, وبالتالي بالمحافظة على نقيضها أي البروليتاريا, ذلك هو الجانب الإيجابي من التناقض, إذ أن الملكية الخاصة وجدت رضاها في ذاتها.
وعلى العكس من ذلك, فإن البروليتاريا, بوصفها بروليتاريا, ملزمة  بالعمل على إلغائها الخاص وبالتالي على الملكية الخاصة, يعني الشرط الذي يجعل منها بروليتاريا. وذلك هو الجانب السلبي من التناقض, إذ أن الملكية الخاصة ينتابها القلق, وتتفسخ, وهي في طريق الانحلال...
[43]
إذن فالبروليتاريا والبورجوازية في تناقض دائم ما دامت الملكية الخاصة قائمة وهي ليست دائما هكذا بل هي محكومة وفق قوانين الدياليكتيك بالقضاء على نفسها بتوليدها لنقيضها الذي هو الطبقة العاملة. ففي إطار التناقض, يشكل الملاكون الخاصون إذن الحزب المحافظ على العلاقات القائمة, ويشكل البروليتاريا الحزب المدمر, بالقضاء على شرط وجودها, فالأولين يعملون على الإبقاء على التناقض والآخرين على محقه.
في الواقع أن تطور الدولة قد تم تحليله تحت تعبير انتقال: وهذا الأخير هو مرحلة تختفي فيها العناصر المكونة لنمط إنتاج ما ليحل محله نمط إنتاج آخر, بهذا المعنى, وكما رأينا, فالانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية يتميز باختفاء بعض البنى الخاصة بالمجتمع الإقطاعي(على المستوى الاقتصادي والاجتماعي و السياسي) وإقامة بنى اقتصادية(الصناعة الحرفية ثم المعامل) و اجتماعية وسياسية هي بنى الرأسمالية. ولكن ليس الحديث هنا عن هذا الانتقال الطبيعي المديد جدا, بل عن الانتقال المراد والذي تقوده البروليتاريا التي تغير البنى بعد أن تقلب الدولة البورجوازية لتخلق المجتمع الاشتراكي كمرحلة عابرة. فالانتقال هو المرحلة التي من خلالها تؤمّن البروليتاريا, المنتصرة سياسيا على البورجوازية, الشروط الاقتصادية لانتصارها لتقيم نمط إنتاج جديد سمي بحصر المعنى شيوعيا. إن دراسة هذه المرحلة الانتقالية تثير طبعا عديدا من المسائل النظرية والنقاشات بعيدة عن أن تقفل حاليا, إذ أنه لتعريف ممارسة اشتراكية بدقة, يتحتم امتلاك معرفة واضحة للنظام الرأسمالي. وسوف نبسط بقولنا أنه يجب التمييز جيدا  بين عنصرين في مستقبل الدولة الذي يسمح بالانتقال من مجتمع رأسمالي  إلى مجتمع شيوعي, فهناك من ناحية الثورة التي تهدم الدولة البورجوازية وهناك من ناحية أخرى التطور الذي يجعل دولة البروليتاريا تندثر.

المطلب الثاني: اضمحلال الدولة و خلود قوانين الجدل

لقد حدد انجلز ( ولينين يذكرنا بذلك) أنه حين الاستيلاء على السلطة من قبل البروليتاريا يقع جهاز الدولة في أيدي هذه الأخيرة وحتى تصبح جهازا للبروليتاريين, تهدم الدولة بكونها دولة بورجوازية. فالدولة "لا تلغى" كما تريد ذلك العقيدة الفوضوية التي تعتبر أن الثورة يجب أن تؤدي فورا إلى إلغاء و اختفاء الدولة.
إن الدولة التي حازت عليها البروليتاريا تصبح أداة بين أيديها لكي تنتزع شيئا فشيئا كل الرأسمال من البورجوازية, ولكي تركز كل أدوات الإنتاج بين أيدي الدولة أي بين أيدي البروليتاريا المنظمة كطبقة مسيطرة (مهيمنة) من اجل زيادة كمية القوى المنتجة بأسرع وقت.
[44]
إذن من أين استمد ماركس مسألة زوال الدولة؟
إن الزوال هو نتيجة الاستيلاء على وسائل الإنتاج من قبل الدولة, وذلك باسم المجتمع بأسره وابتداء من الوقت الذي تختفي فيه الأسباب العميقة لوجود وتصارع الطبقات, من خلال تطور قوى الإنتاج في إطار علاقات إنتاج جديدة, سوف تختفي الدولة نفسها, إذ أن سبب وجودها الوحيد هو المحافظة على نوع من البنية الاجتماعية المحددة من خلال عمل رأس المال. إن اندثار الدولة هذا سوف يكون تدريجيا, وسوف يتم بالتتابع مع بناء الاشتراكية في المجتمع المعني. وفي نهاية هذا التطور سوف تحل إدارة الأمور محل حكم الناس, بشكل تكون فيه النشاطات الاجتماعية التي كانت الدولة تؤمّنها, أي الخدمات الخاصة والمنفصلة, مؤمّنة من قبل الشعب ذاته. وهكذا تصبح الأصول القانونية ذات الوظيفة الإرغامية ضرورية. و سوف تحكم هذه النشاطات فصاعدا باتفاقات مشابهة لعاداتنا. وبهذه الطريقة أيضا تتم تسوية النزاعات التي قد تنشب.
[45]
فما هي هاته المرحلة التي تأتي بعد الاشتراكية وتضمحل فيها هاته الأخيرة؟
إنها المجتمع الشيوعي باعتباره الطور الأعلى من تطور المجتمع من خلال فك التناقض القائم في البنية الاجتماعية.
يقول ماركس:" إن الشيوعية التي هي الإلغاء الإيجابي للملكية الخاصة وبالتالي, تملك فعلي للماهية الإنسانية من قبل الإنسان ومن أجل الإنسان, إذن عودة الإنسان الشاملة من أجل الذات بوصفه إنسانا اجتماعيا, يعني إنسانيا, وهي عودة واعية قد جرت مع الاحتفاظ بكل ثروة التطور السابق, هذه الشيوعية بوصفها طبيعية مكتملة = إنسية, بوصفها إنسية مكتملة = طبيعية, إنها الحل الحقيقي للتضاد بين الإنسان والطبيعة, بين الإنسان والإنسان, الحل الحقيقي للصراع بين الوجود و الماهية, بين الموضعة و تأكيد الذات, بين الحرية و الضرورة, بين الفرد و الجنس. إنها اللغز المحلول للتاريخ وهي تعرف ذاتها على أنها هذا الحل.
[46]
إن الشيوعية لا تسلب أحدا القدرة على تملك منتجات اجتماعية, كل ما تحرمه إياه هو القدرة على استعباد عمل الغير بواسطة هذا التملك.[47]
من خلال ما سبق- على سبيل الذكر- نستشف أن المنهج الجدلي المادي المعتمد في العلوم الاجتماعية له قوانينه الخاصة التي تسري على المجتمع كما تسري على الطبيعة, والتي تحكم و تفسر لنا جوهر التناقض ولغز حله في المرحلة العليا من تطور البنية الاجتماعية التي هي الشيوعية التي تزول فيها الدولة وتضمحل بشكل دياليكتيكي.
و بدون الخوض في الحديث عن الأدوات السياسية والإيديولوجية لهذا التغيير, نختصر ونقول أن المنهج الجدلي ذو ارتباط سياسي بمسألة التغيير, تغيير الواقع وليس تفسيره فقط. فكارل ماركس يقول في الموضوعة الحادية عشر حول فيورباخ " لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة, أما الشيء الأساسي يكمن في تغيره" ويقول كذلك" لن تكف التطورات الاجتماعية عن أن تكون ثورات سياسية إلا في نظام للأشياء زالت فيه الطبقات والتضادات الطبقية, وحتى ذلك الوقت, عشية إعادة كل تنظيم عام للمجتمع, ستكون الكلمة الأخيرة للعلم الاجتماعي دائما."
[48]
ويمكن للقارئ أن يتساءل: إن كان المنهج الجدلي وفق قوانينه الخاصة هو الذي يفسر لنا أطوار انتقال التكوينات الاجتماعية من قديم يضمحل وجديد يتولد, قد وصل أوجه وقمته مع المجتمع الشيوعي التي تزول فيه التضادات الطبقية والتناحر الاجتماعي, فكيف إذن سنتحدث عن خلود هاته القوانين وثباتها, ما دامت التناقضات والتضادات قد تم فكها؟
كما قلنا سابقا أن قوانين المنهج الجدلي تسري في الطبيعة كما تسري على المجتمع, لكن فك صراع الأخير لا يعني بالضرورة نهاية الجدل, بل تبقى الصراعات والتناقضات الجدلية قائمة في صراعنا مع الطبيعة.
فقوانين الجدل إذن تتحول في تاريخ الطبيعة والمجتمع الإنساني. فليست هذه القوانين إلا القوانين الأكثر عمومية لهاتين الناحيتين من التطور التاريخي وللفكر نفسه. وبالفعل من الممكن ردها إلى القوانين الثلاثة الأساسية التالية:

  • قانون تحول الكم إلى كيف وبالعكس
  • قانون تداخل الأضداد
  • قانون نفي النفي.
فكل تحول هو نتاج صراع القوى المتعارضة, فإذا تطور شيء, فذلك لأنه يتضمن ضده في ذاته ما دام كل شيء هو وحدة الأضداد. نلاحظ صراع الأضداد, وتحول الشيء إلى ضده[49]. لكن كيف يتم هذا التحول؟  هذه هي المشكلة الجديدة التي تطرح نفسها.
إن تطور الأشياء لا يمكن أن يكون كميا إلى ما لانهاية: فالأشياء بتحولها, تخضع في نهاية الأمر لتغيّر نوعي, فتتحول الكمية إلى كيفية. هذا قانون عام, ولكن علينا ألا نكتفي بهذه الصيغة المجردة فقط, سنجد في كتاب انجلس –انتي دوهرينغ- في فصل دياليكتيك الكمية والكيفية, عددا كثيرا من الأمثلة ستفهمنا أنه في كل شيء كما في علوم الطبيعة, تتبرهن صحة القانون الذي بموجبه:" عند درجة معينة من التغير الكمي يحدث فجأة تغير كيفي"
[50].
ودون ذكر الأمثلة على كل قانون قانون في المنهج الدياليكتيكي ما دام قد تمت الإشارة إليه سابقا, وعلى اعتبار أن الجدل هو منهج في التفكير والتعليل والتحليل يتيح الدراسة جيدا, لأنه يرغمنا على البحث عن مصدر كل شيء ووصف تاريخه.
إن الحياة الاجتماعية بما هي خاضعة لمنطق التناقضات الجدلية التي تحددها كما تمت الإشارة إلى ذلك, في القوانين المتعلقة بالمنهج الجدلي, تعتبر من الناحية العملية و النظرية في المنظور الجدلي, قوانين خالدة في المجتمع والطبيعة والإنسان.
ففي المجتمع يبقى التنظيم الشيوعي بما هو أرقى حلقة في  تطورات الجدل المادي, بمثابة إثبات للتحولات النوعية التي تحدث على مستوى التناقضات الاجتماعية, التي تثبت من خلالها أنما التناقض الاجتماعي إلا انعكاس لواقع اقتصادي غير منظم و غير ممنهج من الناحية الاقتصادية, إن في التوزيع أو في الإنتاج  معا.
وعن هذا الأساس نجد أن التناقضات الاجتماعية, لا يمكن أن تكون محكومة بقوانين تطور الجدل إلى آخر المطاف, بقدر ما أن القوانين ما هي إلا حلقة ضرورية تؤكد أن التناقض الذي يحكم المجتمعات الطبقية ما هو إلا انعكاس لواقع التملك غير السليم, لمصفوفة علاقات الإنتاج من داخل أي بنية اجتماعية من البنى الاجتماعية التاريخية.
ولأجله فالتناقض الاجتماعي لا يمكن أن يكون أبديا وخالدا, ما دام أن إمكانية حل هاته التناقضات تكمن في تتبع حلقات تطور المنهج الجدلي المادي والتاريخي للتناقضات الاجتماعية, فهو ما يعكس أن المجتمع قد يصل إلى مستوى التوزيع العادل للإنتاج,  وتفكيك كل علاقات التبعية والاضطهاد والتملك من داخل البنية الوحيدة, ولكن هذا لا يعكس انسلاخ قوانين الجدل ومقولاته عن تأطير الحركة الاجتماعية, بقدر ما أن هاته الأخيرة, تظل محكومة بالقوانين العامة التي تؤطر المجتمع والتاريخ والإنسان, و لكن ليس في شكل تناحري يؤدي إلى تغيرات اجتماعية –تاريخية- بل إن التناقض في حد ذاته يتحول إلى أداة لفهم التناقض التناحري الأبدي والخالد بين الإنسان والطبيعة.
وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم أن قوانين الجدل تظل خالدة في الطبيعة و المجتمع و الإنسان, بمنطق محددات يكون فيها دائما الكلمة الفيصل للتناقض و القفزات النوعية و نفي النفي, فهي قوانين خالدة في الطبيعة والمجتمع والإنسان.
 
خاتمة:

من خلال ما سبق نستنتج أن المنهج الجدلي بما هو منهج للتحليل و التفسير في ميدان العلوم الاجتماعية, من خلال عدة قوانين أساسية ومقولات الجدل التي من خلالها تدرس الوقائع في سيرورتها وتحولها وترابطها, وكذلك في تفاعلها. وهو ما يطرح العديد من الإشكالات والتساؤلات لدى العديد من علماء الاجتماع حول مدى علمية المناهج في علم الاجتماع والمنهج الجدلي على الخصوص, وفي إمكانية الانعزال عن كل القوانين والقواعد  الأساسية لدراسة الظواهر الاجتماعية, أو بمعنى آخر؛ هل يمكن أن تكون النتائج و الحلول المقترحة لدى المنهج الجدلي نتائج علمية مائة بالمائة؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون منهجا معتمدا وواقعيا للتأثير على الواقع  ما دام المنهج الجدلي لا يمكن فصله عن مجموعة من العوامل و المستويات المتواجدة في وحدة معقدة و في تناقض و تضاد دائم سواء في المجتمع أو الطبيعة؟
هذا ما اتضح لنا من خلال  لمحتنا السريعة على المنهج الجدلي بقوانينه و مقولاته وكذلك ارتباطاته السياسية بالدولة الاشتراكية, وفي محاولته في فك لغز التناقض داخل البنية الاجتماعية و كل مستويات التكوين الاجتماعي. هكذا إذن فكل المناهج في العلوم الاجتماعية يمكن القول بأنها مناهج منها ما يهدف إلى معرفة الأسباب الرئيسية لوجود وواقع معينين, ومنها ما يهدف إلى إيجاد حلول في محاولة تجاوز كل ما هو غير معقول.   
 

التصميم:
مقدمة:
الفصل الاول: القوانين الأساسية للجدل ومقولاته
 * المبحث الأول: القوانين الأساسية للجدل
     المطلب الأول: قانوني وحدة الأضداد وصراعهما و التغيرات الكيفية
     المطلب الثاني: قانوني نفي النفي و ترابط السيرورات
 * المبحث الثاني: مقولات الجدل
     المطلب الأول: مقولات حركة التاريخ
     المطلب الثاني: مقولات بنية الأشياء و حركتها
الفصل الثاني: انتقادات المنهج الجدلي و ارتباطاته السياسية
* المبحث الأول: انتقادات المنهج الجدلي
      المطلب الأول: الانتقادات السياسية
      المطلب الثاني: في نقد بعض أصول المنهج الجدلي
 * المبحث الثاني: الارتباطات السياسية للمنهج الجدلي
     المطلب الأول: الارتباط المرحلي بالدولة الاشتراكية
    المطلب الثاني: اضمحلال الدولة و خلود قوانين الجدل
خاتمة
 
 
 

لائحة المراجع:


  • أحمد حضراني، القانون الدستوري و الؤسسات السياسية.
  • إنجلز : دياليكتيك الطبيعة . دار التقدم – موسكو
  • انجلز، الأنتي دوهرينغ، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق.
  • انجلز، مصادر الاشتراكية العلمية
  • بليخانوف، المؤلفات الفلسفية، ترجمة فؤاد أيوب دار دمشق.
  • جورج بوليتزر، أصول الفلسفة الماركسية، ج1، ترجمة شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت،
  • جورج بوليتزر، مبادئ أولية في الفلسفة، ترجمة فهيمة شرف الدين، دار الفارابي، ط5.
 - فاسيلي بودو ستينك أوفتشي يخوت:ألف باء المادية الجدلية. ترجمة جورج - طرابيشي،دار الطيعة-بيروت
 - ك.ماركس- ف. انجلز، العائلة المقدسة.
-ك.ماركس و ف.انجلز، بيان الحزب الشيوعي.
-ك.ماركس، بؤس الفلسفة.
-ك.ماركس، مخطوطات عام 1844، المؤلفات المختارة المجلد1.
-كارل ماركس- ف.انجلز، الإيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق.
-كارل ماركس، العمل المأجور و الرأسمال، دار التقدم موسكو.
-لويس ألتوسير، مبادئ الفلسفة الماركسية.
-لينين، الدفاتر الفلسفية،ج2.
-لينين، ما العمل، المؤلفات الكاملة، المجلد الخامس.
-ماركس- انجلز، مختارات، رسالة من انجلز إلى يوسف بلوخ، دار التقدم، موسكو.
-محمد سعيد البوطي رمضان، نقض أوهام المادية الجدلية، دار الفكر، دمشق.
-ميشال مياي، مقدمة في نقد القانون الدستوري، المؤسسة الجامعية للدراسة و النشر و التوزيع، ط2.
-نيكولاس بولانتزاس، السلطة السياسية و الطبقات الاجتماعية، ترجمة عادل غنيم، دار ابن خلدون.
-يوسف ستالين، المادية الدياليكتيكية والمادية التاريخية، دار دمشق للطباعة و النشر.
-يوسف ستالين، كراس المادية الدياليكتيكية و المادية التاريخية، دار التقدم موسكو.
 
 

الهوامش

[1] 1- فاسيلي بودو ستينك اوفتشي ياخوت, الف باء المادية الجدلية ترجمة جورج طرابيشي دار الطليقة بيروت ص59
- انجلز ديالكتيك الطبيعية, موسكو الطبعة الالمانية 1935ص491[2]
- جورج بوليتزر, اصول الفلسفة الماركسية الجزء الاول ترجمة شعبان بركات منشورات ... العصرية بيروت ص 858[3]
[4] -  جورج بوليتزر, مبادئ اولية في الفلسفة ...ص164
- كارل ماركس, الرأسمال و العمل المأجور, دار التقدم, موسكو, ص 36[5]
 
- جوزيف ستالين, المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية, دار دمشق للطباعة و النشر ص34[6]
-يوسف ستالين كراس المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية, دار التقدم ص 46[7]
- انجلز, انتي دوهرينغ, ص 150[8]
- جوج بوليتزر, أصول الفلسفة الماركسية الجزء الأول, ترجمة شعبان بركات ..ص 68[9]
[10] - كارل ماركس, راس المال.
- فاسيلي بودوستنيك, او فتشي ياخوت, الف باء المادية الجدلية ,المرجع السابق ص 54[11]
-انجلز ضد دوهرنع، ترجمة الدكتور فؤاد أيوب، دار دمشق ص 168.[12]
- إنجلز، ضد دوهرنغ، ترجمة د. فؤاد أيوب، دار دمشق ص 169.[13]
- جورج بوليتز, مبادي أولية في الفلسفة، ترجمة د.فهيمة شرف الدين ص 151.[14]
- جوزيف ستالين, المادية الجدلية و المادية التاريخية، المرجع السابق 41.[15]
- جورج بوليتزر, مبادئ أولية في الفلسفة، المرجع السابق ص 140.[16]
- المرجع نفسه ص 141.[17]
- فاسيلي بودوستنيك أو فتشي ياخوت، ألف باء المادية الجدلية، ترجمة جورج طرابيشي،ص 71-72.[18] *
- نفس المرجع.[19] *
- لويس ألتوسير، مبادئ الفلسفة الماركسية، ص 227.[20] *
- فاسيلي بودوستنيك أو فتشي ياخوت، ألف باء المادية الجدلية، ترجمة جورج ترابيشي[21] *
-فاسيلي بودو ستنيك أوفتشي ياخوت، ألف باء المادية الجدلية ترجمة جورج طرابيشي.[22]
- إنجلز, مصادر الإشتراكية العلمية، انتي دوهرينع ص 131.[23] *
-بيلخانوف, الؤلفات الفلسفية ترجمة فؤاد ايوب دار دمشق ص 560[24]
-احمد حضراني القانون الدستوري و الؤسسات للسياسية. ص45[25]
-بيلخانوف مرجع سابق ص 560[26]
- ماركس – انجلز مختارات رسالة من انجلز الى يوسف بلوخ دار التقدم موسكو ص171[27]
- محمد سعيد البوطي، نقض أوهام المادية الجدلية، دار الفكر، دمشق، ص 58.[28]
- نفس المرجع ص 59.[29]
- لينين, الدفاتر الفلسفية، ج2، ص13.[30]
- أنتي دوهرينع، ترجمة الدكتور فواد أيوب، ص 144،145.[31]
- لينين, الدفاتر الفلسفية، ج2، ص 19.[32]
- نفس المرجع، ص 19.[33]
 محمد سعيد البوطي، مرجع سابق، ص 63.-[34]
- أنظر شرح مطالع الإنظار الاصفهاني، ص 107[35]
- سعيد البوطي، مرجع سابق، ص67.[36]
-سعيد البوضي مرجع سابق ص 71[37]
- انظر مطالع الانظار للاصفهاني. ص 70[38]
[39]- ك.ماركس و ف.انجلز, الإيديولوجية الألمانية,ص65-64.
[40] - نيكولاس بولانتزاس, السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية' ترجمة عادل غنيم, دار ابن خلدون, ط.2, ج1, ص11.
[41] - ف.لينين, ما العمل؟, المؤلفات الكاملة, المجلد الخامس, ترجمة إلياس شاهين, دار التقدم, ص 398.
[42] - ك.ماركس و ف.انجلز, العائلة المقدسة, المجلد الثاني, المؤلفات الكاملة, ص60.
[43]- المرجع السابق, ص62.
[44] -ك.ماركس, البيان الشيوعي, منشورات دار دمشق 1965, ص40-48.
[45] -ميشال مياي, مقدمة في نقد القانون الدستوري, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, لبنان, الطبعة الثانية 1982, ص ص279,281.
[46] - ك.ماركس, مخطوطات عام 1844, المؤلفات المختارة, المجلد الأول, ص87.
[47] ك.ماركس و ف.انجلز, البيان الشيوعي, ص 53-54.
[48] - ك.ماركس, بؤس الفلسفة, دار دمشق للطباعة والنشر, ترجمة حنا عبود, ص167.
[49] - جورج بوليتزر, مبادئ أولية في الفلسفة, دار الفارابي, الطبعة الخامسة,2001, ص 161-164.
[50] - ف.انجلز, الأنتي دوهرينغ, دار التقدم, ص 150.



المصدرhttp://www.marocdroit.com/المنطلقات-الأساسية-للمنهج-الجدلي-و-دوره-في-فهم-الظاهرة-القانونية_a3977.html

IFTTT

Put the internet to work for you.

via Personal Recipe 2937150