
بقلم: ذ. محسن جبيلو طالب باحث بماستير منازعات الأعمال ظهر المهراز فاس قاض متدرب -الفوج 39-
via MarocDroit موقع العلوم القانونية http://www.marocdroit.com/ركن-منتدى-هيئات-النوظمة-دور-القاضي-والناظم-في-حل-نزاعات-المنافسة_a3962.html
مقدمة:
لقد كان هاجس الدولة منذ طفولتها تنظيم المؤسسات التي تضمن استمرارها وبقاءها بل ورفاهيتها، خصوصا تلك الرفاهية الاقتصادية التي تحدث عنها علماء الاقتصاد وتفننوا في التنظير لها، إلا أن أزمة دولة الرفاهية الاقتصادية La crise de l Etat providence) ) ، التي لا تنفصل عن أزمة النظام الرأسمالي القائم على احتكار الدولة لمعظم النشاطات الاقتصادية وانعدام روح المبادرة الفردية، فرضت الانتقال من نظام يرتكز على الاقتصاد الموجه إلى نظام اقتصاد السوق تسود فيه حرية المبادرة الخاصة، وذلك بتبني نمط جديد في تدبير المجال الاقتصادي يقوم أساسا على الانسحاب الكلي من السوق وفسح المجال لهيئات النوظمة أو ما يسمى ب"الهيئات الإدارية المستقلة".
والسلطات الإدارية المستقلة هذه هي هيئات وطنية لا تخضع لا للسلطة الرئاسية ولا للوصاية الإدارية، فهي عكس الإدارة التقليدية، إذ تتمتع باستقلالية عضوية ووظيفية سواء عن السلطة التنفيذية أو عن السلطة التشريعية لكنها تخضع للرقابة القضائية. هذه الهيئات لها سلطات واسعة تجعلها تبتعد عن الهيئات الاستشارية، مهامها تتمثل في ضبط القطاع الاقتصادي، وبفضل استقلاليتها تضمن الحياد طالما أن الدولة لا تتدخل في المجال الاقتصادي إلا لتحديد المقاييس القانونية، وبالتالي فإن دورها ينحصر في وضع قواعد اللعبة الاقتصادية، إذ تلعب دور عون فقط فلا يتصور أن تكون خصما وحكما، فهذه الهيئات تتصرف باسم الدولة وتتمتع بسلطات حقيقية بدون خضوعها لسلطة الحكومة.[1]
فهذه الهيئات إذن ولدت من رحم أزمة النظام الرأسمالي لتلعب دورا جديدا من داخل النظام نفسه، تتمثل في ضبط الاقتصاد وقولبته لينسجم والتوجه الاقتصادي العالمي السائر نحو العولمة، فإذا كان المبدأ أن النظام الرأسمالي بني أساسا على المبادرة الفردية وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد فإن تطور باقي الأنظمة الاقتصادية الأخرى فرض عليه أن يتنازل عن بعض مبادئه حتى يستطيع أن يواكب الصراع الاقتصادي وينخرط فيه، وذلك باقتباس مبدأ توجيه الاقتصاد من النظرية الاشتراكية لخدمة الأهداف المرحلية التي فرضها الواقع الاقتصادي العالمي، إلا أن موجة العولمة التي شهدها الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة، فرضت على النظام اللبرالي أن يتخلى عن نمط الاقتصاد الموجه، ويعود من جديد لنمط الاقتصاد الحر، فبين ضرورة فرضها الواقع الاقتصادي وحتمية أوجدها التوجه العالمي، أضحى نمط الاقتصاد الحر الخيار الاقتصادي الأوحد.[2]
إن تنوع مجالات عمل هذه الهيئات، يبين بشكل جلي ملامح الاتجاه نحو إعادة صياغة وظيفة الدولة، وإعادة تحديد أدوارها ووسائل تدخلها في عدد من القطاعات الاقتصادية والمالية، لتخفيف عبء تدخلها الاقتصادي المباشر، ولتكريس سياسة الانفتاح اللبرالي والعزوف عن سياسة الاحتكار، واستبدال أسلوب الإدارة المباشرة للمرافق والخدمات العمومية بأساليب جديدة تقوم على تفويض مهام الضبط والتأطير لهيئات ناظمة جديدة.[3]
ولعل من أبرز الإشكاليات القانونية التي ظهرت ببروز مثل هذه الهيئات، مسألة طبيعة العلاقة التي يجب أن تربط هذه الهيئات بباقي الهيئات القضائية الأخرى من ناحية تطبيق القوانين المتعلقة بها، وذلك لتداخل مجالات الاختصاص بينهما، حيث نجد أن النصوص المنظمة لهذه الهيئات تسند الاختصاص للجهات القضائية في بعض الحالات، فإذا كان المبدأ أن إنشاء مثل هذه الهيئات يضع دور القاضي جانبا ومحصورا في ممارسة الرقابة البعدية على القرارات الصادرة عن مختلف هيئات النوظمة، فإن هذا المبدأ ترد عليه جملة الإستثناءات، بموجبها يصبح القاضي فاعلا في تطبيق قانون المنافسة ومساهما في عملية الضبط، ذلك أنه بالرجوع إلى قانون حرية الأسعار والمنافسة نجد أن تطبيقه موزع بين هيئات النوظمة والهيئات القضائية بصفة عامة.
وتدعيما للفلسفة التي تحكم قانون المنافسة التي تهدف إلى القضاء على كل الممارسات التي من شأنها المساس بالسير العادي للسوق، لم يتردد المشرع في منح الهيئات القضائية العادية صلاحية تطبيق قانون المنافسة، حيث مكن القاضي العادي من تطبيق قانون المنافسة بإحدى طريقتين، بطريقة مباشرة وذلك بمنحه سلطة عقابية تمكنه من التصدي للممارسات المنافية للمنافسة وتتحد مع السلطات الممنوحة للناظم كما هو الشأن في مجال الأسواق المالية لا سيما في فرنسا والمغرب[4]، أو بطريقة غير مباشرة من خلال منح القاضي الإداري سلطة البت في الطعون[5] المقدمة إليه ضد المقررات الصادرة عن مختلف هيئات النوظمة، حيث متعه بسلطة رقابية تمكنه من الفصل في كافة الطعون المرفوعة إليه، فلا يمكن مبدئيا لوظيفة الضبط التي يقوم بها الناظم أن تكون قانونية وشرعية، إلا إذا كانت خاضعة لمبدأ المشروعية والرقابة القضائية، ذلك أن القاضي وهو يمارس عملية الرقابة على أعمال هيئات النوظمة يكون قد شارك في عملية الضبط الاقتصادي بطرقة غير مباشرة من خلال حمايته لمبادئ المساواة والشفافية[6]، فعند تعديله لقرارات مجلس المنافسة يكون قد قام بعملية ضبط اقتصادي من مستوى ثان.[7]
وتمتاز الرقابة القضائية على أعمال هيئات النوظمة بطابعها الدستوري، وهو ما يعكس أهمية الرقابة باعتبارها وسيلة قانونية وقضائية لمعاينة كيفية تطبيق القانون من طرف الهيئات وتصحيح القرارات والممارسات الخاطئة أو غير المشروعة بردها إلى الشرعية بشكل يضمن سيادة القانون وضمان المساواة أمامه.[8]
في ضل هذا التوجه، أصبح القاضي ملزما بالخروج من دوره التقليدي والانخراط والمشاركة في وظيفة الضبط ما دامت هذه الوظيفة تتطلب منه الحرص على تحقيق المنفعة العامة ،وكذا السهر على إعمال كل ما هو جديد في هذا المجال، فالأمر يتعلق بتحول عميق في الميدان القضائي.
وإذا كان الأصل أن هيئات النوظمة قد أتت لتحل محل السلطة التنفيذية في مجال الضبط الاقتصادي، ولتحل محل القاضي الجنائي في الفصل في المنازعات التي تثيرها الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، فإن نصوص قانون حرية الأسعار والمنافسة تؤكد أن هيئات النوظمة ليست الوحيدة التي تملك الاختصاص في تطبيق تشريع الممارسات المنافية للمنافسة، حيث يضل اختصاص القاضي العادي (المدني والتجاري) قائما للبت في الممارسات المنافية لقواعد المنافسة مدنيا.
إن دراسة ومقاربة الإشكالية التي تطرحها العلاقة الملتبسة بين مختلف هيئات النوظمة وباقي الهيئات القضائية الأخرى في مجال تطبيق القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، تفرض على الباحث أن يتصدى لإشكالية رئيسية تتمثل في تحديد طبيعة العلاقة الرابطة بين مؤسسة الناظم وبين القضاء من زاوية حل النزاعات المرتبطة بمجال المنافسة، فهل هي علاقة تكامل وتقاطع أم علاقة تضاد وتنازع؟
هل نجح المشرع المغربي في استيعاب وفهم الفلسفة المؤطرة لعمل هيئات النوظمة؟ وكيف تعامل مع الإشكالات التي يطرحها اشتغال هذه الهيئات إلى جانب الهيئات القضائية؟
لعل قراءة متأنية في مختلف القوانين المؤطرة للموضوع، تسمح بتناوله من خلال التقسيم التالي:
المبحث الأول: دور الناظم كفاعل أصلي لحل منازعات المنافسة بين جسامة الأهداف ومحدودية السلطات التقريرية.
المبحث الثاني: تأرجح القاضي بين دوره التقليدي والاتجاه نحو التأسيس لدور الضابط الاقتصادي من مستوى ثان.
المبحث الأول: دور الناظم كفاعل أصلي لحل منازعات المنافسة بين جسامة الأهداف ومحدودية السلطات التقريرية.
يعتبر الناظم صاحب الاختصاص العام في مجال المنافسة، من منطلق أنه القاضي الأصلي المكلف بالفصل في النزاعات التي يمكن أن تقوم بشأن تطبيق القوانين المتعلقة بالمنافسة، إلا أن إكراهات شتى فرضت على المشرع أن يدخل هيئات أخرى لتفعل في مجال المنافسة وتلعب دورا استثنائيا سواء أكانت هذه الهيئات قضائية أو إدارية أو باقي سلطات الضبط الأخرى التي تتمتع بالسلطة التقريرية.
ومادام مجلس المنافسة يعد فاعلا أساسيا في عملية الضبط برمتها، سنحاول من خلال هذا المبحث أن نقيم الدور النوظمي لهذا المجلس من خلال اختبار مدى تمتعه بالسلطات والصلاحيات التي ترقى به إلى مستوى السلطة التقريرية (المطلب الأول)، كما سنبحث في دور بعض الهيئات القطاعية الأخرى، حتى يتسنى لنا رصد مختلف ملامح الدور التقريري المنشود الذي يجب أن تتمتع به هذه الهيئات لتلعب دورها الحقيقي في عملية الضبط الاقتصادي (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مجلس المنافسة[9] بين عائق الدور الاستشاري والحاجة لدور قضائي تقريري.
لقد زود المشرع مجلس المنافسة بصلاحيات واسعة، تتمثل أساسا في تلك الاختصاصات المتعلقة بالممارسات المنافية لقواعد المنافسة المنصوص عليها في الباب الثالث من قانون حرية الأسعار والمنافسة،[10]كما متعه بصلاحيات أخرى تتمثل في تدخله في مجال التجمعات الاقتصادية الماسة بالمنافسة عمليات التركيز الاقتصادي.
وإذا كانت الغاية الأساسية التي ابتغاها المشرع من تدخل مجلس المنافسة للفصل في النزاعات الناشئة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة هي وضع حد لهذه الممارسات، فإن تدخله هذا في ظل النص الحالي يبقى تدخلا شكليا ومحصورا نظرا لعدم تمتعه بالسلطة التقريرية[11] التي تمنحه سلطة التقرير في كافة النزاعات المرتبطة بالمنافسة، حيث إن دوره الاستشاري الحالي لا يساعده على القيام بالأدوار المنوطة به مما ينعكس سلبا على تحقيق الأهداف المتوخاة من إنشائه (الفقرة الأولى) ولذلك فقد نادى المهتمين بمجال اشتغال هذا المجلس بضرورة تمكين مجلس المنافسة من مكنة الإحالة الذاتية باعتبارها آلية ضرورية لتفعيل تدخله في مجال المنافسة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: محدودية الدور الاستشاري لمجلس المنافسة وضرورة تمتيعه بالسلطة التقريرية.
يعتبر مجلس المنافسة في القانون المغربي جهازا استشاريا يعتمد الوزير الأول على آرائه لاتخاذ القرار الملائم في الوضعية الخلافية بين المؤسسات المعنية،[12]مما يؤثر سلبا على الأهداف المتوخاة من إنشائه (أولا)، لذلك فقد أصبح من اللازم تمتيعه بالسلطة التقريرية (ثانيا).
أولا: هيمنة الطابع الاستشاري لمجلس المنافسة عائق أمام خدمة الأهداف المتوخاة من إنشائه.
ينحصر دور مجلس المنافسة في ظل النص الحالي في تقديم الاستشارات التي يمكن أن تكون إجبارية، كما هو الشأن بالنسبة للاستشارة المقدمة من طرف الحكومة حول مشروع قانون أو نص تنظيمي يتعلق بالمنافسة[13]، أو حول الإعفاء[14] من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، أو تلك التي تتعلق بعمليات التركيز الاقتصادي[15]، كما يمكن أن تكون الاستشارة اختيارية إذا قدمت من طرف الحكومة واللجان البرلمانية والمجموعات الحضرية والمنظمات المهنية، أو من طرف المحاكم المختصة[16].
وعلى الرغم من المهام التي يضطلع بها مجلس المنافسة المغربي في تنظيم المسار التنافسي والمساهمة في تأمين النظام العام الاقتصادي، فإنها تبقى دون جدوى وجامدة إن لم تذيل بقرارات الوزير الأول الذي يبعث فيها الروح من خلال ترجمتها على أرض الواقع.[17]
ولاشك في أن هاجس عدم توفر كل الشروط الملائمة لخلق جهاز يفصل بصورة نهائية في العمليات التنافسية هو الدافع لمنحه في البداية اختصاص الرأي والاستشارة مع تغليب الجانب الاقتصادي ونوع من التوازنات على الجوانب القانونية خلاف الأنظمة التي تضع قرارات المجلس (كفرنسا) في تواز مع أحكام المحاكم، ويسمح بالطعن فيها بطرق الطعن العادية أمام محاكم الاستئناف العادية ليصبح ملف مجلس المنافسة من بين الملفات القضائية، يراقب ملف تطبيق القانون فيها من طرف محكمة النقض.[18]
ثانيا: ضرورة تمتيع مجلس المنافسة بالسلطة التقريرية.
إذا كان مجلس المنافسة من خلال النص الحالي لا يتمتع بصلاحيات تقريرية بل ينحصر دوره في ما هو استشاري محض، فإن الواقع الاقتصادي فرض ضرورة الاتجاه نحو تمتيعه بالسلطة التقريرية حتى يتسنى له أن يلعب دوره الحقيقي المتمثل في مراقبة السوق وتنظيمها.
وتجدر الإشارة إلى أنه رغم أن الأصل في مهمة مجلس المنافسة إبداء الرأي والاستشارة إلا أن القانون 06.99 أورد في المادة 27 حالات فيها حاسما في تدخله، حيث نصت على أنه:"يمكن لمجلس المنافسة داخل اجل شهرين أن يصرح بقرار معلل بعدم قبول إحالة أفعال إليه إذا ارتأى أن الأفعال المدعى بها لا تدخل في نطاق اختصاصه أو أنها ليست مدعومة بعناصر ذات قيمة إثباتية كافية.
يجوز لمجلس المنافسة أن يتخذ قرارا معللا بعدم متابعة الإجراءات بعد تمكين صاحب الإحالة من الاطلاع على الملف والإدلاء بملاحظاته.
ورغم هذه الإشارات العارضة فإن مجلس المنافسة يحتاج إلى صلاحيات تقريرية فعلا تمكنه من البت في كل الممارسات المنافية لقواعد المنافسة في جو من الاستقلالية وبعيدا عن أي تدخل أو تضييق، وذلك ما نصت عليه المادة 24 من مشروع القانون الجديد المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة التي جاء فيها:"تنشأ سلطة إدارية مستقلة تسمى "مجلس المنافسة" ذات اختصاصا تقريرية واستشارية، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والمساواة في العلاقات الاقتصادية خصوصا بواسطة تحليل ونظامة المنافسة في الأسواق ومراقبة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار، ويتوفر مجلس المنافسة على الشخصية المعنوية والاستقلال المالي."
الفقرة الثانية: مكنة الإحالة الذاتية كآلية ضرورية لتفعيل تدخل مجلس المنافسة في حل نزاعات المنافسة.
يقصد بالإحالة الذاتية إمكانية التدخل التلقائي لمجلس المنافسة في كل قضية يرى أنها تدخل في مجال اختصاصه، وذلك دون ضرورة وجود ادعاء من طرف أحد الأشخاص المؤهلين لذلك قانونا، حيث يستطيع مجلس المنافسة التدخل عبر صيغ مختلفة كأن يكتشف وجود ممارسة منافية لقواعد المنافسة بمناسبة طلب استشارته من إحدى الجهات المخول لها ذلك، أو أن يكتشف ذلك أثناء نظره في موضوع الادعاء غير المقبول لفقدانه أحد الشروط الشكلية مثلا...
وتجد ضرورة منح مجلس المنافسة هذه المكنة مبرراتها في السماح له بإعطاء توجهاته الحقيقية بخصوص السياسة التنافسية وإمكان دفعه الأشخاص الأخرى المؤهلة لإخطاره إلى القيام بذلك، من منطلق أن مجلس المنافسة يعتبر أهم حارس للنظام العام الاقتصادي، مادامت الإحالة كما هي منظمة في قانون حرية الأسعار والمنافسة غير كافية حتى وإن كانت إلزامية، ذلك أن الطابع الإجباري لن يغير من واقع أن الآراء الصادرة بشأنها هي آراء استشارية محضة لا تلزم الوزير الأول في أي شيء.[19]
المطلب الثاني: دور أجهزة النوظمة القطاعية في حل نزاعات المنافسة.
إذا كان مجلس المنافسة من حيث المبدأ هو الحارس الأصلي لاحترام قواعد المنافسة والفاعل الرئيسي في عملية الضبط الاقتصادي من خلال صلاحياته الواسعة التي تتسع إلى مراقبة المنافسة ومعاقبة مختلف الممارسات المقيدة لها في كل النشاطات دون تمييز، فإن ذلك لم يمنع المشرع من خلق أجهزة ناظمة إلى جانبه لتساهم في تنظيم وضبط عمليات المنافسة، وحسبما في هذا المقام أن نقيم الدور التنظيمي للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الفقرة الأولى)، كما نقف على الطبيعة القانونية لقرارات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات( الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: قوة الشيء المقرر في القرار التنظيمي للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري.[20]
تعتبر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري[21] من بين أهم الهيئات الإدارية المستقلة، ذلك أن فهم الفصل 159 من الدستور في ارتباطه العضوي بالفصل 165 منه يسمح بإضفاء الصفة النوظمية على هذه الهيئة، لذلك قضى المجلس الدستوري المغربي بصدد بته في المادة 182 من القانون الداخلي لمجلس النواب من خلال القرار عدد 12/829 في الملف 12/1356 بتاريخ 04 فبراير 2012 بما يلي:
"وحيث إن المؤسسات والهيئات المذكورة في الفصول من 161 إلى 170 من الدستور، ومع مراعاة الطابع الاستشاري لتلك المذكورة في الفصول 163، 164، 168، 169 و170 ، تعد مؤسسات وهيئات مستقلة، إما بحكم ما ينص عليه الفصل 159 من الدستور من أنه" تكون الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة مستقلة" وإما بموجب الفصول الدستورية الخاصة بها، مما يجعلها لاتخضع لا للسلطة الرئاسية لوزير معين ولا لوصايته، الأمر الذي يمتنع معه تطبيق ما ينص عليه الفصل 102 من الدستور...
وحيث إنه تأسيسا على ما سبق بيانه، يتعين اعتبار ما تضمنته المادة 182 من أن المؤسسات والهيئات المذكورة تقدم أمام مجلس النواب وجوبا مرة واحدة على الأقل في السنة تقريرا عن أعمالها، ومن أن اللجان الدائمة المختصة تتولى مناقشة هذه التقارير بحضور رؤساء المؤسسات والهيئات المعنية مخالفا للدستور".
ولما كان الأمر على نحو ما رتبه المجلس الدستوري من آثار قانونية على استقلالية الهيأة العليا للاتصال السمعي- البصري، فإن الوظيفة التقريرية في المجال التنظيمي، لهذه الهيأة تستدعي التوقف عندها لبيان الأثر القانوني الذي تحدثه قراراتها ومدى وجوب التقيد بها من لدن الأطراف المعنية.[22]
يترتب عن إضفاء الصفة النوظمية على الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري منحها إمكانية فرض التزام أو إقرار حق معين إزاء المخاطبين دون اشتراط رضاهم مع لزوم احترامهم الإلزام القانوني المضمن في القرار دون نفي حقهم في مراجعة القضاء باعتبار أن القرار التنفيذي في قاموس القانون الإداري يتمتع بالامتياز المسبق privilège du préalable الذي يفيد أن القرار يفرض، إزاء المخاطبين به، تغيير المراكز القانونية بصفة فورية ( مع ورود إمكانية إرجاء جزء من الأثر أو كله إلى وقت لاحق كما هو الحال في دفاتر التحملات) انطلاقا من افتراض تناغم القرار التنفيذي مع حكم القانون مالم يثبت لاحقا خلاف ذلك.[23]
و يتمتع قرار الهيأة التنظيمي بقوة الإلزام القانوني على نحو يجعله حائزا لقوة الشيء المقرر، بصفة مؤقتة، مع خضوعه للرقابة اللاحقة في شقيها الإداري والقضائي، وتنحصر هذه القوة في الشق المادي أو الموضوعي من خلال اعتبار القرار حجة على مضامينه الملزمة للأطراف المعنية الذين يقع على عاتقهم واجب الامتثال له.[24]
الفقرة الثانية: الطبيعة القانونية لقرارات الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات.[25]
تعتبر الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات سلطة إدارية مستقلة ناظمة لقطاع الاتصالات، لها ولاية كاملة على القطاع وتكتسي الطابع الدستوري من منطلق قاعدة المماثلة لهيئات الحكامة الجيدة والتقنين(هيئات النوظمة) المنصوص عليها في الفصل 159 من الدستور، وقراراتها التي تمس بالمراكز القانونية للغير هي قرارات إدارية صادرة عن سلطة إدارية بمفهوم المادة 8[26] من قانون المحاكم الإدارية وتخضع لرقابة قاضي الإلغاء طبقا للفصل 118 من الدستور والمادة 36 مكررة من القانون رقم 96.24 المتعلق بالبريد والمواصلات، وهو القاضي الوحيد المختص دستوريا وحصريا لمراقبة أعمال هيئات النوظمة، لأن القاضي العادي يعتبر غير مؤهل لهذه المراقبة لطبيعة مهمته، لأنه لا يمكنه أن يبطل أي قرار إداري.[27]
وإذا كان القضاء الإداري قد اتجه نحو تكريس الدور التقريري للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات من خلال تخويلها الولاية العامة على قطاع المواصلات، فإن تواجدها إلى جانب مجلس المنافسة أدى إلى تنازع الاختصاص بينهما، حيث يثار هذا التنازع فيما يتعلق بالنزاعات الناشئة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المتصلة بميدان المواصلات، وإن كان المشرع قد أوجب على الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات إخبار مجلس المنافسة بالقرارات المتخذة بموجب المادة 8 المحددة لاختصاصها النوعي.
المبحث الثاني: تأرجح القاضي بين دوره التقليدي والاتجاه نحو التأسيس لدور الضابط الاقتصادي من مستوى ثان.
لم يعد دور القاضي محصورا في فض النزاعات بين الناس والاختباء وراء مقولة الحياد السلبي، بل أصبح ملزما بالخروج من دوره التقليدي والانخراط والمشاركة في وظيفة الضبط ما دامت هذه الوظيفة تتطلب منه الحرص على تحقيق المنفعة العامة، وكذا السهر على إعمال كل ما هو جديد في هذا المجال، فالأمر يتعلق بتحول عميق في الميدان القضائي.
فإذا كان القاضي ملزم مبدئيا بالبت في النزاعات التي تعرض عليه بشان عمليات المنافسة، فإن دوره التقليدي يأثر سلبا على البت في مثل هذه النزاعات نظرا لخصوصيتها التقنية المعقدة، مما يفرض ضرورة تسليح القاضي بأدوات الناظم حتى يتمكن من فهم واستيعاب مضمون النزاعات المرتبطة بالمنافسة ويفهمها في ضوء الرؤية الاقتصادية والسياسية المؤطرة لها، وتحقيق ذلك رهين بضرورة إعادة النظر في السلطات العقابية الممنوحة للقاضي بمناسبة بته في قضايا المنافسة بما يؤهله لحلها حلا سليما (المطلب الأول) كما يجب إعادة النظر في مؤسسة الرقابة القضائية على أعمال هيئات النوظمة لتتسع لأدوار جديدة للقضاء العادي فضلا عن القضاء الإداري(المطلب الثاني).
المطلب الأول: دور السلطات العقابية الممنوحة للقاضي العادي في حل منازعات المنافسة.
يعد الناظم بمثابة القاضي الأصلي المعني بتطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة، باعتباره هيئة ناظمة دورها الرئيسي يتمثل في تفعيل النصوص والمقتضيات المتعلقة بمجال المنافسة وذلك بهدف ضمان منافسة مشروعة يأطرها القانون، إلا أن المشرع منح القاضي العادي بعض الصلاحيات في تطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة من خلال تمكينه من البت في بعض الدعاوى المدنية (الفقرة الأولى)، حيث منحه دورا معتبرا[28] في إيقاع الجزاءات المدنية دون أن يراعي خصوصية الدعاوى المدنية المرتبطة في مجال المنافسة مما قزم دور القاضي وجعله دورا هامشيا يتجلى ذلك من خلال إشكاليتي صعوبة الإثبات وتقدير التعويض في قضايا المنافسة المطروحة أمام القضاء العادي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الجزاءات المدنية عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
لعل من أبرز تطبيقات الجزاءات المدنية التي يمكن أن تترتب عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة جزاء البطلان، حيث أسس مشرع قانون حرية الأسعار والمنافسة لنظرية خاصة بالبطلان في هذا المجال (أولا)، كما منح للقاضي سلطة البت في التعويض عن الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها ضحايا الممارسات المنافية لقواعد المنافسة (ثانيا).
أولا: جزاء البطلان عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
بالرجوع إلى المادة 9 من قانون حرية الأسعار والمنافسة نجد أنها تنص على أنه:" يعد باطلا بقوة القانون كل التزام أو اتفاقية تتعلق بممارسة محظورة تطبيقا للمادتين 6و7 أعلاه."مما يعني أن أي التزام أو اتفاق أو شرط تعاقدي يتعلق بالممارسات المنافية لقواعد المنافسة يكون باطلا سواء تعلق الأمر بالتعسف في وضعية الهيمنة على السوق، أو في وضعية التبعية الاقتصادية، ذلك أن القاعدة العامة هي بطلان كل العقود والاتفاقات والشروط المضادة للمنافسة، حيث يطبق البطلان على جميع الممارسات المناهضة للمنافسة وذلك دون أي قيد أو شرط، على أنه تستثنى من هذه القاعدة تلك الممارسات المرخصة بموجب المادة الثامنة من قانون حرية الأسعار والمنافسة.[29]
وبما أن قواعد المنافسة تهدف إلى الحفاظ على حسن سير السوق الذي هو جزء لا يتجزأ من النظام العام الاقتصادي، فإن أي مساس بهذا النظام مصيره البطلان المطلق مما يترتب عن ذلك مبدئيا أن دعوى البطلان يمكن أن يتم تحريكها أحد أطراف العقد وكل ذي مصلحة تضرر من العقد وكذا من طرف النيابة العامة باعتبارها ممثلة للمجتمع.[30]
فبناء على ذلك فلكل ذي مصلحة اللجوء إلى المحكمة المدنية أو التجارية، فالبطلان يمكن إثارته من قبل الأطراف، حيث يستطيع أي طرف في الالتزام المطالبة بما التزم به، كما يحق ذلك للغير ومجلس المنافسة في حالة ما إذا تضمن الملف المعروض عليه التزامات منافية للمنافسة، وكذا جمعيات حماية المستهلك[31] ما دامت محاربة هذه الممارسات تحمي السوق التي تحتضن المستهلك، غير أنه لا يمكن للأطراف الاحتجاج بهذه الممارسات في مواجهة الغير.
على أنه يجب التنبيه إلى أن الحكم بالبطلان يؤدي إلى محو آثار الاتفاقات المنافية للمنافسة حيث يكون للبطلان أثر رجعي، مما يجعل لجزاء البطلان أثر فعال في مواجهة مثل هذه الممارسات خصوصا وأن هذا البطلان لا يصحح ويحكم به حتى ولو كان البند المتنازع فيه قد تم حذفه أو تصحيحه بناء على الأمر الصادر عن مجلس المنافسة.[32]
ثانيا: التعويض عن الأضرار الناتجة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
من ضمن الجزاءات المدنية التي أقرها المشرع لإلزام المخالف بالتعويض عن الضرر الذي لحق بالشخص نتيجة التصرف المرتكب المتضمن مخالفة أحكام التشريع الناظم للنشاط الاقتصادي، حيث نصت المادة 99 من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:"يمكن أن تنتصب جمعيات المستهلكين المعلن أنها ذات منفعة عامة طرفا مدنيا أو أن تحصل على تعويضات عن الضرر اللاحق بالمستهلكين بناء على دعوى مدنية مستقلة.[33]
وبناء على ذلك يحق لكل شخص أصيب بضرر من جراء ممارسة منافية للمنافسة حق اللجوء إلى القضاء ورفع دعوى قضائية مستقلة يكون محلها المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه شريطة أن يكون من أصحاب الحق في المطالبة بهذا التعويض، حيث تبنى المطالبة في هذه الحالة على قواعد المسؤولية المدنية، ذلك أن تعويض الضرر الناشئ عن الممارسات المنافية للمنافسة يستلزم إثبات وجود خطأ وتحقق الضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
فلمسائلة العون الاقتصادي مدنيا يجب إثبات ارتكابه لإحدى الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المنصوص عليها في قانون المنافسة، وأن ينتج عن ذلك ضرر تنافسي يتمثل في عرقلة حركة السوق بطريقة تؤدي إلى المساس بقانون العرض والطلب، ثم أن تربط بين الخطأ والضرر علاقة سببية حتى تستكمل المسؤولية المدنية شروطها.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكم بالتعويض في ميدان المنافسة يلعب دورا اجتماعيا كبيرا يتمثل في إصلاح الأضرار اللاحقة بالضحايا، كما يساهم في الحد من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ويفرض احترام القوانين المنظمة لعملية المنافسة.
الفقرة الثانية: مظاهر قصور ومحدودية دور القضاء العادي في الحد من الممارسات المنافية للمنافسة.
لا أحد ينكر الدور الإيجابي الذي تلعبه الجزاءات المدنية في الحد من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة من خلال الدور الفعال للقاضي العادي في تطبيق نصوص قانون المنافسة بما له من سلطات تقريرية في هذا المجال، إلا أن تدخل القضاء العادي هذا في مجال المنافسة يشوبه القصور والمحدودية لجملة من الأسباب والاعتبارات ترتبط أساسا ببروز عدة إشكاليات قانونية وواقعية تعرقل تدخل القاضي العادي وتجعله محدودا وهامشيا.
فإذا كانت المحاكم المدنية تسهر في حدود الاختصاصات المخولة لها قانونا على فرض احترام قواعد المنافسة من طرف مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وذلك من خلال ممارسة سلطتها بفرض العقوبات المدنية المقررة للممارسات المقيدة للمنافسة، فإن تطبيقها غالبا ما يعترضه إثارة إشكالية إثبات الممارسات المنافية لقواعد المنافسة من قبل المدعي(أولا)، مما يجعل قرار البطلان صعب التطبيق، بل أنه حتى في حالة نجاح المدعي في إثبات الممارسة المنافية للمنافسة فإن القاضي العادي يصطدم بإشكالية تقدير التعويض المترتب عن هذه الممارسة (ثانيا).
أولا: صعوبة الإثبات عائق موضوعي أمام المدعي في ميدان المنافسة.
مبدئيا، من يدعي شيئا عليه إثباته، فإذا ادعى أحد أنه تضرر من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة فعليه أن يثبت ذلك أمام القضاء بمختلف وسائل الإثبات المتاحة في قانون المنافسة، ذلك أن رافع دعوى البطلان يكون مجبرا على إثبات أن الاتفاق أو الالتزام التعاقدي الصادر عن المتعامل الاقتصادي يتعلق بإحدى الممارسات المحظورة، وهو ما يتعذر عليه في هذا المجال نظرا لخصوصية هذه الممارسات ارتباطها بما هو تقني واقتصادي معقد.
ثانيا: إشكالية تقدير التعويض أمام القضاء العادي في قضايا المنافسة.
يصطدم القاضي العادي أثناء تسليطه لجزاء التعويض على مرتكبي الممارسات المنافية للمنافسة بعدة صعوبات من الناحية العملية نظرا لخصوصية نزاعات قانون المنافسة، فمن جهة أولى يصعب عليه تقدير التعويض عن الأضرار المترتبة هذه الممارسات مما يضطره إلى اعتماد وتبني نفس مضامين قرارات الهيئات الناظمة، حيث أنه في حالة اللجوء أولا إلى مجلس المنافسة مثلا، ثم تم رفع دعوى التعويض فالجهات القضائية تعيد نفس ملاحظات مجلس المنافسة المرتبطة مباشرة بطلب التعويض المقدم أمامها، الشيء الذي يأثر سلبا على استقلالية قراره.
المطلب الثاني: الاتجاه نحو التأسيس لدور القاضي كضابط اقتصادي من مستوى ثان.
لقد أصبحت الرقابة القضائيىة على أعمال هيئات النوظمة دستورية،[34] نظرا لما لها من أهمية في مجال المنافسة ما دام من يباشرها ويتولاها يتمتع بالحياد التام والاستقلال الحقيقي عن أطراف النزاع ويمتلك الدراية والمقدرة القانونية للفصل والرقابة وفرض الجزاء الملزم بتقرير الإلغاء أو التعويض وإجبار الهيئات الناظمة على احترام كافة القوانين في الدولة والسير وفق ما يقتضي القانون والعمل في دائرته وعدم مخالفة أحكامه.[35]
ولقد اختلف الفقه حول طبيعة الرقابة القضائية على هذه الهيئات بين قائل بكون أن القاضي الإداري هو المختص لمراقبة أعمال هيئات النوظمة ما دام القاضي العادي غير مؤهل لممارسة هذه الرقابة لخروجها عن دائرة اختصاصه، وبين قائل بضرورة منح هذه الرقابة للقاضي العادي لعدة اعتبارات.[36]
وحسبنا في هذا المقام أن نبرز ملامح التأسيس لتدخل القضاء في عملية الضبط الاقتصادي من خلال تقييم دور القضاء الإداري في الرقابة على أعمل هيئات النوظمة (الفقرة الأولى)، ثم الوقوف على بعض التشريعات المقارنة التي مددت هذه الرقابة للقضاء العادي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: رقابة القضاء الإداري على أعمال هيئات النوظمة.
نصت المادة 40 من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:" ترفع إلى المحكمة الإدارية المختصة الطعون المقدمة في قرارات الوزير الأول المتخذة تطبيقا لهذه المحكمة باستثناء القرارات المشار إليها في المواد 26 ( الفقرة الأولى ) و36 ( الفقرة الثالثة ) و37 كما نصت المادة 46 على أنه:"ترفع الطعون في قرارات الوزير الأول المتخذة تطبيقا لهذا القسم باستثناء قرارات الإحالة إلى وكيل الملك المشار إليها في الفقرة السابعة إلى المحكمة الإدارية المختصة.
ويمارس القضاء الإداري هذه الرقابة من خلال دعوى يقصد الإلغاء، حيث يطلب فيها رافعها من القاضي الإداري إلغاء القرار الإداري الذي يتصف بعيب من عيوب المشروعية (عيب عدم الاختصاص ،عيب الشكل ،عيب السبب،عيب مخالفة القانون،عيب الانحراف في استعمال السلطة)، ذلك أن سلطة القاضي الإداري هنا تكمن في إلغائه للقرار غير المشروع ولا تتجاوز ذلك.
كما يرى بض الفقه إمكانية ممارسة هذه الرقابة من خلال دعوى القضاء الشامل التي لا تتوقف عند حد إلغاء المقرر المطعون فيه وإنما إلى القضاء بالتعويض عن الأضرار الناتجة عنه، وله كذلك سلطة الإعلان عن الإجراء الصحيح،بحيث يملك فيه القاضي حق تخفيض العقوبة ادا تبين له عدم وجود تناسب بين الخطأ والجزاء.
الفقرة الثانية: فكرة تمديد الاختصاص للقضاء العادي بشأن الرقابة على أعمال هيئات النوظمة.
إذا كان الأصل أن النظر في الطعون المقدمة ضد قرارات مجلس المنافسة من اختصاص القضاء الإداري كما قدمنا، فإن الاتجاه نحو تكريس دور فعال للقضاء في مجال المنافسة دفع بعض التشريعات إلى نقل هذا الاختصاص إلى القضاء العادي، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع الفرنسي والجزائري.
وذلك على الرغم من الصعوبات العملية التي قد تواجه القاضي العادي أثناء النظر في الطعون المرفوعة إليه ضد قرارات هيئات النوظمة، حيث نجد الفقيه الفرنسي BEZARD Pierre يقول: " عندما سيصعب على القضاة العاديين مواكبة التقنيات الجديدة والصعبة لن يكون أمامهم إلا تأييد حلول المؤسسات الإدارية وتحاليل رجال الاقتصاد.." إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك نظرا لكفاءة هؤلاء القضاة حسب رأي الأستاذ Marie Leloup jean .[37]
إن فكرة نقل الاختصاص للقضاء العادي في هذا المقام تنبع من ضرورة مساهمة القضاء العادي في عملية الضبط الاقتصادي، نظرا لما له من صلاحيات تؤهله لممارسة هذه الرقابة في ظروف تتميز عن تلك التي يوفرها القضاء الإداري الذي يبقى قضاء عسيرا وبطيئا إذا قارناه بالقضاء العادي، فضلا عن أن رقابته تنحصر في التأييد او الإلغاء فهولا يملك سلطة تعديل قرارات هيئات النوظمة، كما يصعب عليه تحليل الآثار الاقتصادية المترتبة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، لذلك قال أحد الفقهاء المدافعين عن فكرة إسناد الرقابة على أعمال هيئات النوظمة للقضاء العادي:"لقد كان قرار المشرع منطقيا لأنه في النهاية تبقى الهيئات القضائية العادية هي المختصة في مادة المؤسسات والسوق".[38]
خاتمة:
بعد هذه القراءة المباشرة لطبيعة العلاقة الرابطة بين القضاء وباقي هيئات النوظمة من حيث حل النزاعات المرتبطة بمجال المنافسة، نكون قد توصلنا إلى مجموعة من الخلاصات والنتائج بخصوص الإشكالية التي حدناها في مقدمة هذا الموضوع.
يجب أن تتسم العلاقة بين القضاء ومختلف هيئات النوظمة بالتكامل والتعاون، لذلك يجب تعزيز دعامات التقارب وإقرار تشريع من شأنه أن يمنح القضاء بعض صلاحيات هيئات النوظمة حتى يتسنى له أن يشارك في عملية الضبط الاقتصادي من موقع الحارس الأصلي للنظام العام الاقتصادي، كما يجب تمتيع مختلف هيئات النوظمة بالسلطات التقريرية الكافية التي تؤهلها لتلعب دورها الحقيقي في حل نزاعات المنافسة.
المراجع المعتمدة:
- الرسائل والأطروحات:
محمد الهيني، "رقابة القضاء على أعمال هيئات النوظمة"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق ظهر المهراز فاس 2012/2013.
موساوي ظريفة: "دور الهيئات القضائية العادية في تطبيق قانون المنافسة"، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون، فرع قانون المنافسة، جامعة مولود معمري، تيزي وزو، الجزائر، 2011/2012.
بوحلياس إلهام: "الاختصاص في مجال المنافسة"، بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص، فرع قانون الأعمال، جامعة قسنطينة منتوري، كلية الحقوق الجزائر، 2004/2005.
جعفر ايزوغار: "مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي"، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، فرع منازعات الأعمال، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، 2012/2013.
ربيع شركي: "الممارسات المنافية لقواعد المنافسة،" تقرير لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، فرع منازعات الاستهلاك والمنافسة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، 2007/2008.
- المقالات:
محمد زاوك: "قراءة للقانون رقم 06.99 في علاقته بالمحاكم وأجهزة تنفيذ القرارات"، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية.
عيد اولعربي: "قوة الشيء المقرر في القرار التنظيمي للهيأة العليا لاتصال السمعي البصري" مقال منشور بموقع – لكم – يوم الأربعاء 30 ماي 2012 على الساعة 21.14.
Nour – eddine TOUJGANI : le régulateur et le juge : tendances et expériences, Centre de droit des obligations et des contrats ; faculté de droit – fes, Forum de régulation du 9 décembre 2005.
الهوامش
[1] - محمد الهيني، "رقابة القضاء على أعمال هيئات النوظمة"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق ظهر المهراز فاس 2012- 2013، ص: 1.
[2] - بوحلياس إلهام، "الاختصاص في مجال المنافسة"، رسالة ماجيستر في القانون الخاص، جامعة قسنطينة منتوري، كلية الحقوق، الجزائر 2004-2005، ص: 1.
[3] - محمد الهيني، مرجع سابق، ص: 1.
[4] - Nour – eddine TOUJGANI : le régulateur et le juge, p : 174.
[5] - ينص الفصل 118 من الدستور على أنه:"كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة".
[6] - Nour – eddine TOUJGANI : le régulateur et le juge , p :174.
[7] - أطلق بعض الفقه على هذه العملية " الضبط الاقتصادي من مستوى ثان".
[8] - محمد الهيني، مرجع سابق، ص: 9.
[9] - تأسس مجلس المنافسة بموجب الفصل 14 من قانون 06.99.
[10] - قانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[11] - تنص المادة 24 من المشروع على أنه: "تنشأ سلطة إدارية مستقلة تسمى "مجلس المنافسة" ذات اختصاصا تقريرية واستشارية، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والمساواة في العلاقات الاقتصادية خصوصا بواسطة تحليل ونظامة المنافسة في الأسواق ومراقبة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار، ويتوفر مجلس المنافسة على الشخصية المعنوية والاستقلال المالي."
[12] - محمد زاوك، م، س، ص: 62.
[13] - الفصل 16 من قانون رقم 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[14] - المادة 6 من المرسوم التطبيقي للقانون رقم 854.00.2 الصادر بتاريخ 27 شتنبر 2001.
[15] - الفصل 10 من قانون رقم 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[16] - الفصل 15 من قانون رقم 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[17] - ربيع شركي، الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، تقرير لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة (2007-2008)، ص: 76.
[18] - محمد زاوك، قراءة للقانون رقم 06.99 في علاقته بالمحاكم وأجهزة تنفيذ القرارات، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، ص: 62.
[19] - جعفر ايزوغار، مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي، ص: 81.
[20] - سعيد اولعربي، قوة الشيء المقرر في القرار التنظيمي للهيأة العليا لاتصال السمعي البصري، مقال منشور بموقع – لكم – يوم الأربعاء 30 ماي 2012 على الساعة 21.14.
[21] - تختص الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري بمهام حددها الظهير الشريف رقم 212-02-1 بتاريخ 31 غشت 2002 المحدث للهيأة و القانون 03- 77 بتاريخ 3 فبراير 2005 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، ومنها نوظمة أو تقنين الإعلام السمعي البصري، الذي يشمل وظيفة المصادقة على دفتر التحملات الخاصة بالشركات الوطنية للاتصال السمعي البصري.
[22] - سعيد اولعربي، م، س.
[23] - سعيد اولعربي، م.س.
[24] - R. SCHWARTZENBERRG : l’autorité de chose décidée, librairie générale de droit et de jurisprudence 1969, p 188 et s . (نقلا عن سعيد اولعربي، م،س)
[25] - الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، مؤسسة عمومية أحدثت بموجب القانون رقم24-96 المتعلق بالبريد والاتصالات السلكية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-97-162 بتاريخ 2 ربيع الثاني 1418 (7 غشت 1997).
[26] - تنص المادة 8 من القانون المتعلق بالبريد والمواصلات على أنه: "تناط بالوكالة مهمة السهر على احترام المنافسة المشروعة في قطاع المواصلات وتبث في النزاعات المتعلقة بها ولاسيما تلك المتعلقة باحترام المواد 6 و7 و10 من القانون رقم 6.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة".
[27] - حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 2/05/2013 ، منشور بموقع العلوم القانونية يوم الجمعة 3 ماي 2013.
[28] - Amal LAMNIAI : Le rôle du juge en matière de régulation de la concurrence, p : 17.
[29] - تنص المادة الثامنة على أنه:"لا تخضع المادتين 6 و7 أعلاه الممارسات.
- التي تنتج عن تطبيق نص تشريعي أو نص تنظيمي.
- التي يمكن للقائمين بها أن يثبتوا أنها تساهم في التقدم الاقتصادي وأن مساهمتها كافية لتعويض قيود المنافسة وأنها تخصص للمستعملين جزءا عادلا من الربح الناتج عنها دون تمكين المنشئات المعنية بالأمر من إلغاء المنافسة فيما يخص جزءا مهما من المنتوجات والخدمات المعنية. ويجب أن لا تفرض الممارسات المذكورة قيودا على المنافسة إلا بقدر ما تكون ضرورية لبلوغ هدف التقدم المشار إليه أعلاه"....
[30] - نصت الفقرة الثانية من المادة التاسعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:"يمكن أن يثار البطلان المذكور من لدن الأطراف والأغيار على السواء ولا يجوز الاحتجاج به من لدن الأطراف وتعاينه إن اقتضى الحال المحاكم المختصة التي يجب أن يبلغ إليها رأي مجلس المنافسة إن سبق إبداؤه."
[31] - نصت الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:"يمكن أن تنتصب جمعيات المستهلكين المعلن أنها ذات منفعة عامة طرفا مدنيا أو أن تحصل على تعويضات عن الضرر اللاحق بالمستهلكين بناء على دعوى مدنية مستقلة.
كما نصت المادة 157 من قانون 08.31 على أنه: "يمكن ...لجمعيات حماية المستهلك ...أن ترفع دعاوى قضائية، أو أن تتدخل في دعاوى جارية، أو أن تنصب نفسها طرفا مدنيا أمام قاضي التحقيق للدفاع عن مصالح المستهلك وتمارس كل الحقوق المخولة للطرف المدني والمتعلقة بالأفعال والتصرفات التي تلحق ضررا بالمصلحة الجماعية للمستهلكين ...".
[32] - ....دور الهيئات القضائية ...ص: 34.
[33] - تنص المادة 48 من قانون المنافسة الجزائري: "يمكن لكل شخص طبعي أو معنوي يعتبر نفسه متضررا من ممارسة مقيدة للمنافسة وفق أحكام هذا الأمر أن يرفع دعوى أمام الجهات القضائية المختصة طبقا للتشريع المعمول به".
[34] - الفصل 118 من الدستور.
[35] - محمد الهيني، مرجع سابق، ص: 318.
[36] - من بين هذه المبررات حسن سير العدالة وتوحيد منازعات المنافسة بضمها لجهة قضائية واحدة.
[37] - موساوي ظريفة، "دور الهيئات القضائيىة العادية في تطبيق قانون المنافسة" م، س، ص: 77.
[38] - موساوي ظريفة، "دور الهيئات القضائيىة العادية في تطبيق قانون المنافسة" م، س، ص 69.
لقد كان هاجس الدولة منذ طفولتها تنظيم المؤسسات التي تضمن استمرارها وبقاءها بل ورفاهيتها، خصوصا تلك الرفاهية الاقتصادية التي تحدث عنها علماء الاقتصاد وتفننوا في التنظير لها، إلا أن أزمة دولة الرفاهية الاقتصادية La crise de l Etat providence) ) ، التي لا تنفصل عن أزمة النظام الرأسمالي القائم على احتكار الدولة لمعظم النشاطات الاقتصادية وانعدام روح المبادرة الفردية، فرضت الانتقال من نظام يرتكز على الاقتصاد الموجه إلى نظام اقتصاد السوق تسود فيه حرية المبادرة الخاصة، وذلك بتبني نمط جديد في تدبير المجال الاقتصادي يقوم أساسا على الانسحاب الكلي من السوق وفسح المجال لهيئات النوظمة أو ما يسمى ب"الهيئات الإدارية المستقلة".
والسلطات الإدارية المستقلة هذه هي هيئات وطنية لا تخضع لا للسلطة الرئاسية ولا للوصاية الإدارية، فهي عكس الإدارة التقليدية، إذ تتمتع باستقلالية عضوية ووظيفية سواء عن السلطة التنفيذية أو عن السلطة التشريعية لكنها تخضع للرقابة القضائية. هذه الهيئات لها سلطات واسعة تجعلها تبتعد عن الهيئات الاستشارية، مهامها تتمثل في ضبط القطاع الاقتصادي، وبفضل استقلاليتها تضمن الحياد طالما أن الدولة لا تتدخل في المجال الاقتصادي إلا لتحديد المقاييس القانونية، وبالتالي فإن دورها ينحصر في وضع قواعد اللعبة الاقتصادية، إذ تلعب دور عون فقط فلا يتصور أن تكون خصما وحكما، فهذه الهيئات تتصرف باسم الدولة وتتمتع بسلطات حقيقية بدون خضوعها لسلطة الحكومة.[1]
فهذه الهيئات إذن ولدت من رحم أزمة النظام الرأسمالي لتلعب دورا جديدا من داخل النظام نفسه، تتمثل في ضبط الاقتصاد وقولبته لينسجم والتوجه الاقتصادي العالمي السائر نحو العولمة، فإذا كان المبدأ أن النظام الرأسمالي بني أساسا على المبادرة الفردية وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد فإن تطور باقي الأنظمة الاقتصادية الأخرى فرض عليه أن يتنازل عن بعض مبادئه حتى يستطيع أن يواكب الصراع الاقتصادي وينخرط فيه، وذلك باقتباس مبدأ توجيه الاقتصاد من النظرية الاشتراكية لخدمة الأهداف المرحلية التي فرضها الواقع الاقتصادي العالمي، إلا أن موجة العولمة التي شهدها الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة، فرضت على النظام اللبرالي أن يتخلى عن نمط الاقتصاد الموجه، ويعود من جديد لنمط الاقتصاد الحر، فبين ضرورة فرضها الواقع الاقتصادي وحتمية أوجدها التوجه العالمي، أضحى نمط الاقتصاد الحر الخيار الاقتصادي الأوحد.[2]
إن تنوع مجالات عمل هذه الهيئات، يبين بشكل جلي ملامح الاتجاه نحو إعادة صياغة وظيفة الدولة، وإعادة تحديد أدوارها ووسائل تدخلها في عدد من القطاعات الاقتصادية والمالية، لتخفيف عبء تدخلها الاقتصادي المباشر، ولتكريس سياسة الانفتاح اللبرالي والعزوف عن سياسة الاحتكار، واستبدال أسلوب الإدارة المباشرة للمرافق والخدمات العمومية بأساليب جديدة تقوم على تفويض مهام الضبط والتأطير لهيئات ناظمة جديدة.[3]
ولعل من أبرز الإشكاليات القانونية التي ظهرت ببروز مثل هذه الهيئات، مسألة طبيعة العلاقة التي يجب أن تربط هذه الهيئات بباقي الهيئات القضائية الأخرى من ناحية تطبيق القوانين المتعلقة بها، وذلك لتداخل مجالات الاختصاص بينهما، حيث نجد أن النصوص المنظمة لهذه الهيئات تسند الاختصاص للجهات القضائية في بعض الحالات، فإذا كان المبدأ أن إنشاء مثل هذه الهيئات يضع دور القاضي جانبا ومحصورا في ممارسة الرقابة البعدية على القرارات الصادرة عن مختلف هيئات النوظمة، فإن هذا المبدأ ترد عليه جملة الإستثناءات، بموجبها يصبح القاضي فاعلا في تطبيق قانون المنافسة ومساهما في عملية الضبط، ذلك أنه بالرجوع إلى قانون حرية الأسعار والمنافسة نجد أن تطبيقه موزع بين هيئات النوظمة والهيئات القضائية بصفة عامة.
وتدعيما للفلسفة التي تحكم قانون المنافسة التي تهدف إلى القضاء على كل الممارسات التي من شأنها المساس بالسير العادي للسوق، لم يتردد المشرع في منح الهيئات القضائية العادية صلاحية تطبيق قانون المنافسة، حيث مكن القاضي العادي من تطبيق قانون المنافسة بإحدى طريقتين، بطريقة مباشرة وذلك بمنحه سلطة عقابية تمكنه من التصدي للممارسات المنافية للمنافسة وتتحد مع السلطات الممنوحة للناظم كما هو الشأن في مجال الأسواق المالية لا سيما في فرنسا والمغرب[4]، أو بطريقة غير مباشرة من خلال منح القاضي الإداري سلطة البت في الطعون[5] المقدمة إليه ضد المقررات الصادرة عن مختلف هيئات النوظمة، حيث متعه بسلطة رقابية تمكنه من الفصل في كافة الطعون المرفوعة إليه، فلا يمكن مبدئيا لوظيفة الضبط التي يقوم بها الناظم أن تكون قانونية وشرعية، إلا إذا كانت خاضعة لمبدأ المشروعية والرقابة القضائية، ذلك أن القاضي وهو يمارس عملية الرقابة على أعمال هيئات النوظمة يكون قد شارك في عملية الضبط الاقتصادي بطرقة غير مباشرة من خلال حمايته لمبادئ المساواة والشفافية[6]، فعند تعديله لقرارات مجلس المنافسة يكون قد قام بعملية ضبط اقتصادي من مستوى ثان.[7]
وتمتاز الرقابة القضائية على أعمال هيئات النوظمة بطابعها الدستوري، وهو ما يعكس أهمية الرقابة باعتبارها وسيلة قانونية وقضائية لمعاينة كيفية تطبيق القانون من طرف الهيئات وتصحيح القرارات والممارسات الخاطئة أو غير المشروعة بردها إلى الشرعية بشكل يضمن سيادة القانون وضمان المساواة أمامه.[8]
في ضل هذا التوجه، أصبح القاضي ملزما بالخروج من دوره التقليدي والانخراط والمشاركة في وظيفة الضبط ما دامت هذه الوظيفة تتطلب منه الحرص على تحقيق المنفعة العامة ،وكذا السهر على إعمال كل ما هو جديد في هذا المجال، فالأمر يتعلق بتحول عميق في الميدان القضائي.
وإذا كان الأصل أن هيئات النوظمة قد أتت لتحل محل السلطة التنفيذية في مجال الضبط الاقتصادي، ولتحل محل القاضي الجنائي في الفصل في المنازعات التي تثيرها الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، فإن نصوص قانون حرية الأسعار والمنافسة تؤكد أن هيئات النوظمة ليست الوحيدة التي تملك الاختصاص في تطبيق تشريع الممارسات المنافية للمنافسة، حيث يضل اختصاص القاضي العادي (المدني والتجاري) قائما للبت في الممارسات المنافية لقواعد المنافسة مدنيا.
إن دراسة ومقاربة الإشكالية التي تطرحها العلاقة الملتبسة بين مختلف هيئات النوظمة وباقي الهيئات القضائية الأخرى في مجال تطبيق القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، تفرض على الباحث أن يتصدى لإشكالية رئيسية تتمثل في تحديد طبيعة العلاقة الرابطة بين مؤسسة الناظم وبين القضاء من زاوية حل النزاعات المرتبطة بمجال المنافسة، فهل هي علاقة تكامل وتقاطع أم علاقة تضاد وتنازع؟
هل نجح المشرع المغربي في استيعاب وفهم الفلسفة المؤطرة لعمل هيئات النوظمة؟ وكيف تعامل مع الإشكالات التي يطرحها اشتغال هذه الهيئات إلى جانب الهيئات القضائية؟
لعل قراءة متأنية في مختلف القوانين المؤطرة للموضوع، تسمح بتناوله من خلال التقسيم التالي:
المبحث الأول: دور الناظم كفاعل أصلي لحل منازعات المنافسة بين جسامة الأهداف ومحدودية السلطات التقريرية.
المبحث الثاني: تأرجح القاضي بين دوره التقليدي والاتجاه نحو التأسيس لدور الضابط الاقتصادي من مستوى ثان.
المبحث الأول: دور الناظم كفاعل أصلي لحل منازعات المنافسة بين جسامة الأهداف ومحدودية السلطات التقريرية.
يعتبر الناظم صاحب الاختصاص العام في مجال المنافسة، من منطلق أنه القاضي الأصلي المكلف بالفصل في النزاعات التي يمكن أن تقوم بشأن تطبيق القوانين المتعلقة بالمنافسة، إلا أن إكراهات شتى فرضت على المشرع أن يدخل هيئات أخرى لتفعل في مجال المنافسة وتلعب دورا استثنائيا سواء أكانت هذه الهيئات قضائية أو إدارية أو باقي سلطات الضبط الأخرى التي تتمتع بالسلطة التقريرية.
ومادام مجلس المنافسة يعد فاعلا أساسيا في عملية الضبط برمتها، سنحاول من خلال هذا المبحث أن نقيم الدور النوظمي لهذا المجلس من خلال اختبار مدى تمتعه بالسلطات والصلاحيات التي ترقى به إلى مستوى السلطة التقريرية (المطلب الأول)، كما سنبحث في دور بعض الهيئات القطاعية الأخرى، حتى يتسنى لنا رصد مختلف ملامح الدور التقريري المنشود الذي يجب أن تتمتع به هذه الهيئات لتلعب دورها الحقيقي في عملية الضبط الاقتصادي (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مجلس المنافسة[9] بين عائق الدور الاستشاري والحاجة لدور قضائي تقريري.
لقد زود المشرع مجلس المنافسة بصلاحيات واسعة، تتمثل أساسا في تلك الاختصاصات المتعلقة بالممارسات المنافية لقواعد المنافسة المنصوص عليها في الباب الثالث من قانون حرية الأسعار والمنافسة،[10]كما متعه بصلاحيات أخرى تتمثل في تدخله في مجال التجمعات الاقتصادية الماسة بالمنافسة عمليات التركيز الاقتصادي.
وإذا كانت الغاية الأساسية التي ابتغاها المشرع من تدخل مجلس المنافسة للفصل في النزاعات الناشئة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة هي وضع حد لهذه الممارسات، فإن تدخله هذا في ظل النص الحالي يبقى تدخلا شكليا ومحصورا نظرا لعدم تمتعه بالسلطة التقريرية[11] التي تمنحه سلطة التقرير في كافة النزاعات المرتبطة بالمنافسة، حيث إن دوره الاستشاري الحالي لا يساعده على القيام بالأدوار المنوطة به مما ينعكس سلبا على تحقيق الأهداف المتوخاة من إنشائه (الفقرة الأولى) ولذلك فقد نادى المهتمين بمجال اشتغال هذا المجلس بضرورة تمكين مجلس المنافسة من مكنة الإحالة الذاتية باعتبارها آلية ضرورية لتفعيل تدخله في مجال المنافسة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: محدودية الدور الاستشاري لمجلس المنافسة وضرورة تمتيعه بالسلطة التقريرية.
يعتبر مجلس المنافسة في القانون المغربي جهازا استشاريا يعتمد الوزير الأول على آرائه لاتخاذ القرار الملائم في الوضعية الخلافية بين المؤسسات المعنية،[12]مما يؤثر سلبا على الأهداف المتوخاة من إنشائه (أولا)، لذلك فقد أصبح من اللازم تمتيعه بالسلطة التقريرية (ثانيا).
أولا: هيمنة الطابع الاستشاري لمجلس المنافسة عائق أمام خدمة الأهداف المتوخاة من إنشائه.
ينحصر دور مجلس المنافسة في ظل النص الحالي في تقديم الاستشارات التي يمكن أن تكون إجبارية، كما هو الشأن بالنسبة للاستشارة المقدمة من طرف الحكومة حول مشروع قانون أو نص تنظيمي يتعلق بالمنافسة[13]، أو حول الإعفاء[14] من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، أو تلك التي تتعلق بعمليات التركيز الاقتصادي[15]، كما يمكن أن تكون الاستشارة اختيارية إذا قدمت من طرف الحكومة واللجان البرلمانية والمجموعات الحضرية والمنظمات المهنية، أو من طرف المحاكم المختصة[16].
وعلى الرغم من المهام التي يضطلع بها مجلس المنافسة المغربي في تنظيم المسار التنافسي والمساهمة في تأمين النظام العام الاقتصادي، فإنها تبقى دون جدوى وجامدة إن لم تذيل بقرارات الوزير الأول الذي يبعث فيها الروح من خلال ترجمتها على أرض الواقع.[17]
ولاشك في أن هاجس عدم توفر كل الشروط الملائمة لخلق جهاز يفصل بصورة نهائية في العمليات التنافسية هو الدافع لمنحه في البداية اختصاص الرأي والاستشارة مع تغليب الجانب الاقتصادي ونوع من التوازنات على الجوانب القانونية خلاف الأنظمة التي تضع قرارات المجلس (كفرنسا) في تواز مع أحكام المحاكم، ويسمح بالطعن فيها بطرق الطعن العادية أمام محاكم الاستئناف العادية ليصبح ملف مجلس المنافسة من بين الملفات القضائية، يراقب ملف تطبيق القانون فيها من طرف محكمة النقض.[18]
ثانيا: ضرورة تمتيع مجلس المنافسة بالسلطة التقريرية.
إذا كان مجلس المنافسة من خلال النص الحالي لا يتمتع بصلاحيات تقريرية بل ينحصر دوره في ما هو استشاري محض، فإن الواقع الاقتصادي فرض ضرورة الاتجاه نحو تمتيعه بالسلطة التقريرية حتى يتسنى له أن يلعب دوره الحقيقي المتمثل في مراقبة السوق وتنظيمها.
وتجدر الإشارة إلى أنه رغم أن الأصل في مهمة مجلس المنافسة إبداء الرأي والاستشارة إلا أن القانون 06.99 أورد في المادة 27 حالات فيها حاسما في تدخله، حيث نصت على أنه:"يمكن لمجلس المنافسة داخل اجل شهرين أن يصرح بقرار معلل بعدم قبول إحالة أفعال إليه إذا ارتأى أن الأفعال المدعى بها لا تدخل في نطاق اختصاصه أو أنها ليست مدعومة بعناصر ذات قيمة إثباتية كافية.
يجوز لمجلس المنافسة أن يتخذ قرارا معللا بعدم متابعة الإجراءات بعد تمكين صاحب الإحالة من الاطلاع على الملف والإدلاء بملاحظاته.
ورغم هذه الإشارات العارضة فإن مجلس المنافسة يحتاج إلى صلاحيات تقريرية فعلا تمكنه من البت في كل الممارسات المنافية لقواعد المنافسة في جو من الاستقلالية وبعيدا عن أي تدخل أو تضييق، وذلك ما نصت عليه المادة 24 من مشروع القانون الجديد المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة التي جاء فيها:"تنشأ سلطة إدارية مستقلة تسمى "مجلس المنافسة" ذات اختصاصا تقريرية واستشارية، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والمساواة في العلاقات الاقتصادية خصوصا بواسطة تحليل ونظامة المنافسة في الأسواق ومراقبة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار، ويتوفر مجلس المنافسة على الشخصية المعنوية والاستقلال المالي."
الفقرة الثانية: مكنة الإحالة الذاتية كآلية ضرورية لتفعيل تدخل مجلس المنافسة في حل نزاعات المنافسة.
يقصد بالإحالة الذاتية إمكانية التدخل التلقائي لمجلس المنافسة في كل قضية يرى أنها تدخل في مجال اختصاصه، وذلك دون ضرورة وجود ادعاء من طرف أحد الأشخاص المؤهلين لذلك قانونا، حيث يستطيع مجلس المنافسة التدخل عبر صيغ مختلفة كأن يكتشف وجود ممارسة منافية لقواعد المنافسة بمناسبة طلب استشارته من إحدى الجهات المخول لها ذلك، أو أن يكتشف ذلك أثناء نظره في موضوع الادعاء غير المقبول لفقدانه أحد الشروط الشكلية مثلا...
وتجد ضرورة منح مجلس المنافسة هذه المكنة مبرراتها في السماح له بإعطاء توجهاته الحقيقية بخصوص السياسة التنافسية وإمكان دفعه الأشخاص الأخرى المؤهلة لإخطاره إلى القيام بذلك، من منطلق أن مجلس المنافسة يعتبر أهم حارس للنظام العام الاقتصادي، مادامت الإحالة كما هي منظمة في قانون حرية الأسعار والمنافسة غير كافية حتى وإن كانت إلزامية، ذلك أن الطابع الإجباري لن يغير من واقع أن الآراء الصادرة بشأنها هي آراء استشارية محضة لا تلزم الوزير الأول في أي شيء.[19]
المطلب الثاني: دور أجهزة النوظمة القطاعية في حل نزاعات المنافسة.
إذا كان مجلس المنافسة من حيث المبدأ هو الحارس الأصلي لاحترام قواعد المنافسة والفاعل الرئيسي في عملية الضبط الاقتصادي من خلال صلاحياته الواسعة التي تتسع إلى مراقبة المنافسة ومعاقبة مختلف الممارسات المقيدة لها في كل النشاطات دون تمييز، فإن ذلك لم يمنع المشرع من خلق أجهزة ناظمة إلى جانبه لتساهم في تنظيم وضبط عمليات المنافسة، وحسبما في هذا المقام أن نقيم الدور التنظيمي للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الفقرة الأولى)، كما نقف على الطبيعة القانونية لقرارات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات( الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: قوة الشيء المقرر في القرار التنظيمي للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري.[20]
تعتبر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري[21] من بين أهم الهيئات الإدارية المستقلة، ذلك أن فهم الفصل 159 من الدستور في ارتباطه العضوي بالفصل 165 منه يسمح بإضفاء الصفة النوظمية على هذه الهيئة، لذلك قضى المجلس الدستوري المغربي بصدد بته في المادة 182 من القانون الداخلي لمجلس النواب من خلال القرار عدد 12/829 في الملف 12/1356 بتاريخ 04 فبراير 2012 بما يلي:
"وحيث إن المؤسسات والهيئات المذكورة في الفصول من 161 إلى 170 من الدستور، ومع مراعاة الطابع الاستشاري لتلك المذكورة في الفصول 163، 164، 168، 169 و170 ، تعد مؤسسات وهيئات مستقلة، إما بحكم ما ينص عليه الفصل 159 من الدستور من أنه" تكون الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة مستقلة" وإما بموجب الفصول الدستورية الخاصة بها، مما يجعلها لاتخضع لا للسلطة الرئاسية لوزير معين ولا لوصايته، الأمر الذي يمتنع معه تطبيق ما ينص عليه الفصل 102 من الدستور...
وحيث إنه تأسيسا على ما سبق بيانه، يتعين اعتبار ما تضمنته المادة 182 من أن المؤسسات والهيئات المذكورة تقدم أمام مجلس النواب وجوبا مرة واحدة على الأقل في السنة تقريرا عن أعمالها، ومن أن اللجان الدائمة المختصة تتولى مناقشة هذه التقارير بحضور رؤساء المؤسسات والهيئات المعنية مخالفا للدستور".
ولما كان الأمر على نحو ما رتبه المجلس الدستوري من آثار قانونية على استقلالية الهيأة العليا للاتصال السمعي- البصري، فإن الوظيفة التقريرية في المجال التنظيمي، لهذه الهيأة تستدعي التوقف عندها لبيان الأثر القانوني الذي تحدثه قراراتها ومدى وجوب التقيد بها من لدن الأطراف المعنية.[22]
يترتب عن إضفاء الصفة النوظمية على الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري منحها إمكانية فرض التزام أو إقرار حق معين إزاء المخاطبين دون اشتراط رضاهم مع لزوم احترامهم الإلزام القانوني المضمن في القرار دون نفي حقهم في مراجعة القضاء باعتبار أن القرار التنفيذي في قاموس القانون الإداري يتمتع بالامتياز المسبق privilège du préalable الذي يفيد أن القرار يفرض، إزاء المخاطبين به، تغيير المراكز القانونية بصفة فورية ( مع ورود إمكانية إرجاء جزء من الأثر أو كله إلى وقت لاحق كما هو الحال في دفاتر التحملات) انطلاقا من افتراض تناغم القرار التنفيذي مع حكم القانون مالم يثبت لاحقا خلاف ذلك.[23]
و يتمتع قرار الهيأة التنظيمي بقوة الإلزام القانوني على نحو يجعله حائزا لقوة الشيء المقرر، بصفة مؤقتة، مع خضوعه للرقابة اللاحقة في شقيها الإداري والقضائي، وتنحصر هذه القوة في الشق المادي أو الموضوعي من خلال اعتبار القرار حجة على مضامينه الملزمة للأطراف المعنية الذين يقع على عاتقهم واجب الامتثال له.[24]
الفقرة الثانية: الطبيعة القانونية لقرارات الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات.[25]
تعتبر الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات سلطة إدارية مستقلة ناظمة لقطاع الاتصالات، لها ولاية كاملة على القطاع وتكتسي الطابع الدستوري من منطلق قاعدة المماثلة لهيئات الحكامة الجيدة والتقنين(هيئات النوظمة) المنصوص عليها في الفصل 159 من الدستور، وقراراتها التي تمس بالمراكز القانونية للغير هي قرارات إدارية صادرة عن سلطة إدارية بمفهوم المادة 8[26] من قانون المحاكم الإدارية وتخضع لرقابة قاضي الإلغاء طبقا للفصل 118 من الدستور والمادة 36 مكررة من القانون رقم 96.24 المتعلق بالبريد والمواصلات، وهو القاضي الوحيد المختص دستوريا وحصريا لمراقبة أعمال هيئات النوظمة، لأن القاضي العادي يعتبر غير مؤهل لهذه المراقبة لطبيعة مهمته، لأنه لا يمكنه أن يبطل أي قرار إداري.[27]
وإذا كان القضاء الإداري قد اتجه نحو تكريس الدور التقريري للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات من خلال تخويلها الولاية العامة على قطاع المواصلات، فإن تواجدها إلى جانب مجلس المنافسة أدى إلى تنازع الاختصاص بينهما، حيث يثار هذا التنازع فيما يتعلق بالنزاعات الناشئة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المتصلة بميدان المواصلات، وإن كان المشرع قد أوجب على الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات إخبار مجلس المنافسة بالقرارات المتخذة بموجب المادة 8 المحددة لاختصاصها النوعي.
المبحث الثاني: تأرجح القاضي بين دوره التقليدي والاتجاه نحو التأسيس لدور الضابط الاقتصادي من مستوى ثان.
لم يعد دور القاضي محصورا في فض النزاعات بين الناس والاختباء وراء مقولة الحياد السلبي، بل أصبح ملزما بالخروج من دوره التقليدي والانخراط والمشاركة في وظيفة الضبط ما دامت هذه الوظيفة تتطلب منه الحرص على تحقيق المنفعة العامة، وكذا السهر على إعمال كل ما هو جديد في هذا المجال، فالأمر يتعلق بتحول عميق في الميدان القضائي.
فإذا كان القاضي ملزم مبدئيا بالبت في النزاعات التي تعرض عليه بشان عمليات المنافسة، فإن دوره التقليدي يأثر سلبا على البت في مثل هذه النزاعات نظرا لخصوصيتها التقنية المعقدة، مما يفرض ضرورة تسليح القاضي بأدوات الناظم حتى يتمكن من فهم واستيعاب مضمون النزاعات المرتبطة بالمنافسة ويفهمها في ضوء الرؤية الاقتصادية والسياسية المؤطرة لها، وتحقيق ذلك رهين بضرورة إعادة النظر في السلطات العقابية الممنوحة للقاضي بمناسبة بته في قضايا المنافسة بما يؤهله لحلها حلا سليما (المطلب الأول) كما يجب إعادة النظر في مؤسسة الرقابة القضائية على أعمال هيئات النوظمة لتتسع لأدوار جديدة للقضاء العادي فضلا عن القضاء الإداري(المطلب الثاني).
المطلب الأول: دور السلطات العقابية الممنوحة للقاضي العادي في حل منازعات المنافسة.
يعد الناظم بمثابة القاضي الأصلي المعني بتطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة، باعتباره هيئة ناظمة دورها الرئيسي يتمثل في تفعيل النصوص والمقتضيات المتعلقة بمجال المنافسة وذلك بهدف ضمان منافسة مشروعة يأطرها القانون، إلا أن المشرع منح القاضي العادي بعض الصلاحيات في تطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة من خلال تمكينه من البت في بعض الدعاوى المدنية (الفقرة الأولى)، حيث منحه دورا معتبرا[28] في إيقاع الجزاءات المدنية دون أن يراعي خصوصية الدعاوى المدنية المرتبطة في مجال المنافسة مما قزم دور القاضي وجعله دورا هامشيا يتجلى ذلك من خلال إشكاليتي صعوبة الإثبات وتقدير التعويض في قضايا المنافسة المطروحة أمام القضاء العادي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الجزاءات المدنية عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
لعل من أبرز تطبيقات الجزاءات المدنية التي يمكن أن تترتب عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة جزاء البطلان، حيث أسس مشرع قانون حرية الأسعار والمنافسة لنظرية خاصة بالبطلان في هذا المجال (أولا)، كما منح للقاضي سلطة البت في التعويض عن الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها ضحايا الممارسات المنافية لقواعد المنافسة (ثانيا).
أولا: جزاء البطلان عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
بالرجوع إلى المادة 9 من قانون حرية الأسعار والمنافسة نجد أنها تنص على أنه:" يعد باطلا بقوة القانون كل التزام أو اتفاقية تتعلق بممارسة محظورة تطبيقا للمادتين 6و7 أعلاه."مما يعني أن أي التزام أو اتفاق أو شرط تعاقدي يتعلق بالممارسات المنافية لقواعد المنافسة يكون باطلا سواء تعلق الأمر بالتعسف في وضعية الهيمنة على السوق، أو في وضعية التبعية الاقتصادية، ذلك أن القاعدة العامة هي بطلان كل العقود والاتفاقات والشروط المضادة للمنافسة، حيث يطبق البطلان على جميع الممارسات المناهضة للمنافسة وذلك دون أي قيد أو شرط، على أنه تستثنى من هذه القاعدة تلك الممارسات المرخصة بموجب المادة الثامنة من قانون حرية الأسعار والمنافسة.[29]
وبما أن قواعد المنافسة تهدف إلى الحفاظ على حسن سير السوق الذي هو جزء لا يتجزأ من النظام العام الاقتصادي، فإن أي مساس بهذا النظام مصيره البطلان المطلق مما يترتب عن ذلك مبدئيا أن دعوى البطلان يمكن أن يتم تحريكها أحد أطراف العقد وكل ذي مصلحة تضرر من العقد وكذا من طرف النيابة العامة باعتبارها ممثلة للمجتمع.[30]
فبناء على ذلك فلكل ذي مصلحة اللجوء إلى المحكمة المدنية أو التجارية، فالبطلان يمكن إثارته من قبل الأطراف، حيث يستطيع أي طرف في الالتزام المطالبة بما التزم به، كما يحق ذلك للغير ومجلس المنافسة في حالة ما إذا تضمن الملف المعروض عليه التزامات منافية للمنافسة، وكذا جمعيات حماية المستهلك[31] ما دامت محاربة هذه الممارسات تحمي السوق التي تحتضن المستهلك، غير أنه لا يمكن للأطراف الاحتجاج بهذه الممارسات في مواجهة الغير.
على أنه يجب التنبيه إلى أن الحكم بالبطلان يؤدي إلى محو آثار الاتفاقات المنافية للمنافسة حيث يكون للبطلان أثر رجعي، مما يجعل لجزاء البطلان أثر فعال في مواجهة مثل هذه الممارسات خصوصا وأن هذا البطلان لا يصحح ويحكم به حتى ولو كان البند المتنازع فيه قد تم حذفه أو تصحيحه بناء على الأمر الصادر عن مجلس المنافسة.[32]
ثانيا: التعويض عن الأضرار الناتجة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
من ضمن الجزاءات المدنية التي أقرها المشرع لإلزام المخالف بالتعويض عن الضرر الذي لحق بالشخص نتيجة التصرف المرتكب المتضمن مخالفة أحكام التشريع الناظم للنشاط الاقتصادي، حيث نصت المادة 99 من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:"يمكن أن تنتصب جمعيات المستهلكين المعلن أنها ذات منفعة عامة طرفا مدنيا أو أن تحصل على تعويضات عن الضرر اللاحق بالمستهلكين بناء على دعوى مدنية مستقلة.[33]
وبناء على ذلك يحق لكل شخص أصيب بضرر من جراء ممارسة منافية للمنافسة حق اللجوء إلى القضاء ورفع دعوى قضائية مستقلة يكون محلها المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه شريطة أن يكون من أصحاب الحق في المطالبة بهذا التعويض، حيث تبنى المطالبة في هذه الحالة على قواعد المسؤولية المدنية، ذلك أن تعويض الضرر الناشئ عن الممارسات المنافية للمنافسة يستلزم إثبات وجود خطأ وتحقق الضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
فلمسائلة العون الاقتصادي مدنيا يجب إثبات ارتكابه لإحدى الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المنصوص عليها في قانون المنافسة، وأن ينتج عن ذلك ضرر تنافسي يتمثل في عرقلة حركة السوق بطريقة تؤدي إلى المساس بقانون العرض والطلب، ثم أن تربط بين الخطأ والضرر علاقة سببية حتى تستكمل المسؤولية المدنية شروطها.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكم بالتعويض في ميدان المنافسة يلعب دورا اجتماعيا كبيرا يتمثل في إصلاح الأضرار اللاحقة بالضحايا، كما يساهم في الحد من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ويفرض احترام القوانين المنظمة لعملية المنافسة.
الفقرة الثانية: مظاهر قصور ومحدودية دور القضاء العادي في الحد من الممارسات المنافية للمنافسة.
لا أحد ينكر الدور الإيجابي الذي تلعبه الجزاءات المدنية في الحد من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة من خلال الدور الفعال للقاضي العادي في تطبيق نصوص قانون المنافسة بما له من سلطات تقريرية في هذا المجال، إلا أن تدخل القضاء العادي هذا في مجال المنافسة يشوبه القصور والمحدودية لجملة من الأسباب والاعتبارات ترتبط أساسا ببروز عدة إشكاليات قانونية وواقعية تعرقل تدخل القاضي العادي وتجعله محدودا وهامشيا.
فإذا كانت المحاكم المدنية تسهر في حدود الاختصاصات المخولة لها قانونا على فرض احترام قواعد المنافسة من طرف مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وذلك من خلال ممارسة سلطتها بفرض العقوبات المدنية المقررة للممارسات المقيدة للمنافسة، فإن تطبيقها غالبا ما يعترضه إثارة إشكالية إثبات الممارسات المنافية لقواعد المنافسة من قبل المدعي(أولا)، مما يجعل قرار البطلان صعب التطبيق، بل أنه حتى في حالة نجاح المدعي في إثبات الممارسة المنافية للمنافسة فإن القاضي العادي يصطدم بإشكالية تقدير التعويض المترتب عن هذه الممارسة (ثانيا).
أولا: صعوبة الإثبات عائق موضوعي أمام المدعي في ميدان المنافسة.
مبدئيا، من يدعي شيئا عليه إثباته، فإذا ادعى أحد أنه تضرر من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة فعليه أن يثبت ذلك أمام القضاء بمختلف وسائل الإثبات المتاحة في قانون المنافسة، ذلك أن رافع دعوى البطلان يكون مجبرا على إثبات أن الاتفاق أو الالتزام التعاقدي الصادر عن المتعامل الاقتصادي يتعلق بإحدى الممارسات المحظورة، وهو ما يتعذر عليه في هذا المجال نظرا لخصوصية هذه الممارسات ارتباطها بما هو تقني واقتصادي معقد.
ثانيا: إشكالية تقدير التعويض أمام القضاء العادي في قضايا المنافسة.
يصطدم القاضي العادي أثناء تسليطه لجزاء التعويض على مرتكبي الممارسات المنافية للمنافسة بعدة صعوبات من الناحية العملية نظرا لخصوصية نزاعات قانون المنافسة، فمن جهة أولى يصعب عليه تقدير التعويض عن الأضرار المترتبة هذه الممارسات مما يضطره إلى اعتماد وتبني نفس مضامين قرارات الهيئات الناظمة، حيث أنه في حالة اللجوء أولا إلى مجلس المنافسة مثلا، ثم تم رفع دعوى التعويض فالجهات القضائية تعيد نفس ملاحظات مجلس المنافسة المرتبطة مباشرة بطلب التعويض المقدم أمامها، الشيء الذي يأثر سلبا على استقلالية قراره.
المطلب الثاني: الاتجاه نحو التأسيس لدور القاضي كضابط اقتصادي من مستوى ثان.
لقد أصبحت الرقابة القضائيىة على أعمال هيئات النوظمة دستورية،[34] نظرا لما لها من أهمية في مجال المنافسة ما دام من يباشرها ويتولاها يتمتع بالحياد التام والاستقلال الحقيقي عن أطراف النزاع ويمتلك الدراية والمقدرة القانونية للفصل والرقابة وفرض الجزاء الملزم بتقرير الإلغاء أو التعويض وإجبار الهيئات الناظمة على احترام كافة القوانين في الدولة والسير وفق ما يقتضي القانون والعمل في دائرته وعدم مخالفة أحكامه.[35]
ولقد اختلف الفقه حول طبيعة الرقابة القضائية على هذه الهيئات بين قائل بكون أن القاضي الإداري هو المختص لمراقبة أعمال هيئات النوظمة ما دام القاضي العادي غير مؤهل لممارسة هذه الرقابة لخروجها عن دائرة اختصاصه، وبين قائل بضرورة منح هذه الرقابة للقاضي العادي لعدة اعتبارات.[36]
وحسبنا في هذا المقام أن نبرز ملامح التأسيس لتدخل القضاء في عملية الضبط الاقتصادي من خلال تقييم دور القضاء الإداري في الرقابة على أعمل هيئات النوظمة (الفقرة الأولى)، ثم الوقوف على بعض التشريعات المقارنة التي مددت هذه الرقابة للقضاء العادي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: رقابة القضاء الإداري على أعمال هيئات النوظمة.
نصت المادة 40 من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:" ترفع إلى المحكمة الإدارية المختصة الطعون المقدمة في قرارات الوزير الأول المتخذة تطبيقا لهذه المحكمة باستثناء القرارات المشار إليها في المواد 26 ( الفقرة الأولى ) و36 ( الفقرة الثالثة ) و37 كما نصت المادة 46 على أنه:"ترفع الطعون في قرارات الوزير الأول المتخذة تطبيقا لهذا القسم باستثناء قرارات الإحالة إلى وكيل الملك المشار إليها في الفقرة السابعة إلى المحكمة الإدارية المختصة.
ويمارس القضاء الإداري هذه الرقابة من خلال دعوى يقصد الإلغاء، حيث يطلب فيها رافعها من القاضي الإداري إلغاء القرار الإداري الذي يتصف بعيب من عيوب المشروعية (عيب عدم الاختصاص ،عيب الشكل ،عيب السبب،عيب مخالفة القانون،عيب الانحراف في استعمال السلطة)، ذلك أن سلطة القاضي الإداري هنا تكمن في إلغائه للقرار غير المشروع ولا تتجاوز ذلك.
كما يرى بض الفقه إمكانية ممارسة هذه الرقابة من خلال دعوى القضاء الشامل التي لا تتوقف عند حد إلغاء المقرر المطعون فيه وإنما إلى القضاء بالتعويض عن الأضرار الناتجة عنه، وله كذلك سلطة الإعلان عن الإجراء الصحيح،بحيث يملك فيه القاضي حق تخفيض العقوبة ادا تبين له عدم وجود تناسب بين الخطأ والجزاء.
الفقرة الثانية: فكرة تمديد الاختصاص للقضاء العادي بشأن الرقابة على أعمال هيئات النوظمة.
إذا كان الأصل أن النظر في الطعون المقدمة ضد قرارات مجلس المنافسة من اختصاص القضاء الإداري كما قدمنا، فإن الاتجاه نحو تكريس دور فعال للقضاء في مجال المنافسة دفع بعض التشريعات إلى نقل هذا الاختصاص إلى القضاء العادي، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع الفرنسي والجزائري.
وذلك على الرغم من الصعوبات العملية التي قد تواجه القاضي العادي أثناء النظر في الطعون المرفوعة إليه ضد قرارات هيئات النوظمة، حيث نجد الفقيه الفرنسي BEZARD Pierre يقول: " عندما سيصعب على القضاة العاديين مواكبة التقنيات الجديدة والصعبة لن يكون أمامهم إلا تأييد حلول المؤسسات الإدارية وتحاليل رجال الاقتصاد.." إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك نظرا لكفاءة هؤلاء القضاة حسب رأي الأستاذ Marie Leloup jean .[37]
إن فكرة نقل الاختصاص للقضاء العادي في هذا المقام تنبع من ضرورة مساهمة القضاء العادي في عملية الضبط الاقتصادي، نظرا لما له من صلاحيات تؤهله لممارسة هذه الرقابة في ظروف تتميز عن تلك التي يوفرها القضاء الإداري الذي يبقى قضاء عسيرا وبطيئا إذا قارناه بالقضاء العادي، فضلا عن أن رقابته تنحصر في التأييد او الإلغاء فهولا يملك سلطة تعديل قرارات هيئات النوظمة، كما يصعب عليه تحليل الآثار الاقتصادية المترتبة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، لذلك قال أحد الفقهاء المدافعين عن فكرة إسناد الرقابة على أعمال هيئات النوظمة للقضاء العادي:"لقد كان قرار المشرع منطقيا لأنه في النهاية تبقى الهيئات القضائية العادية هي المختصة في مادة المؤسسات والسوق".[38]
خاتمة:
بعد هذه القراءة المباشرة لطبيعة العلاقة الرابطة بين القضاء وباقي هيئات النوظمة من حيث حل النزاعات المرتبطة بمجال المنافسة، نكون قد توصلنا إلى مجموعة من الخلاصات والنتائج بخصوص الإشكالية التي حدناها في مقدمة هذا الموضوع.
يجب أن تتسم العلاقة بين القضاء ومختلف هيئات النوظمة بالتكامل والتعاون، لذلك يجب تعزيز دعامات التقارب وإقرار تشريع من شأنه أن يمنح القضاء بعض صلاحيات هيئات النوظمة حتى يتسنى له أن يشارك في عملية الضبط الاقتصادي من موقع الحارس الأصلي للنظام العام الاقتصادي، كما يجب تمتيع مختلف هيئات النوظمة بالسلطات التقريرية الكافية التي تؤهلها لتلعب دورها الحقيقي في حل نزاعات المنافسة.
المراجع المعتمدة:
- الرسائل والأطروحات:
محمد الهيني، "رقابة القضاء على أعمال هيئات النوظمة"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق ظهر المهراز فاس 2012/2013.
موساوي ظريفة: "دور الهيئات القضائية العادية في تطبيق قانون المنافسة"، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون، فرع قانون المنافسة، جامعة مولود معمري، تيزي وزو، الجزائر، 2011/2012.
بوحلياس إلهام: "الاختصاص في مجال المنافسة"، بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص، فرع قانون الأعمال، جامعة قسنطينة منتوري، كلية الحقوق الجزائر، 2004/2005.
جعفر ايزوغار: "مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي"، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، فرع منازعات الأعمال، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، 2012/2013.
ربيع شركي: "الممارسات المنافية لقواعد المنافسة،" تقرير لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، فرع منازعات الاستهلاك والمنافسة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، 2007/2008.
- المقالات:
محمد زاوك: "قراءة للقانون رقم 06.99 في علاقته بالمحاكم وأجهزة تنفيذ القرارات"، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية.
عيد اولعربي: "قوة الشيء المقرر في القرار التنظيمي للهيأة العليا لاتصال السمعي البصري" مقال منشور بموقع – لكم – يوم الأربعاء 30 ماي 2012 على الساعة 21.14.
Nour – eddine TOUJGANI : le régulateur et le juge : tendances et expériences, Centre de droit des obligations et des contrats ; faculté de droit – fes, Forum de régulation du 9 décembre 2005.
الهوامش
[1] - محمد الهيني، "رقابة القضاء على أعمال هيئات النوظمة"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق ظهر المهراز فاس 2012- 2013، ص: 1.
[2] - بوحلياس إلهام، "الاختصاص في مجال المنافسة"، رسالة ماجيستر في القانون الخاص، جامعة قسنطينة منتوري، كلية الحقوق، الجزائر 2004-2005، ص: 1.
[3] - محمد الهيني، مرجع سابق، ص: 1.
[4] - Nour – eddine TOUJGANI : le régulateur et le juge, p : 174.
[5] - ينص الفصل 118 من الدستور على أنه:"كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة".
[6] - Nour – eddine TOUJGANI : le régulateur et le juge , p :174.
[7] - أطلق بعض الفقه على هذه العملية " الضبط الاقتصادي من مستوى ثان".
[8] - محمد الهيني، مرجع سابق، ص: 9.
[9] - تأسس مجلس المنافسة بموجب الفصل 14 من قانون 06.99.
[10] - قانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[11] - تنص المادة 24 من المشروع على أنه: "تنشأ سلطة إدارية مستقلة تسمى "مجلس المنافسة" ذات اختصاصا تقريرية واستشارية، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والمساواة في العلاقات الاقتصادية خصوصا بواسطة تحليل ونظامة المنافسة في الأسواق ومراقبة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار، ويتوفر مجلس المنافسة على الشخصية المعنوية والاستقلال المالي."
[12] - محمد زاوك، م، س، ص: 62.
[13] - الفصل 16 من قانون رقم 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[14] - المادة 6 من المرسوم التطبيقي للقانون رقم 854.00.2 الصادر بتاريخ 27 شتنبر 2001.
[15] - الفصل 10 من قانون رقم 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[16] - الفصل 15 من قانون رقم 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[17] - ربيع شركي، الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، تقرير لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة (2007-2008)، ص: 76.
[18] - محمد زاوك، قراءة للقانون رقم 06.99 في علاقته بالمحاكم وأجهزة تنفيذ القرارات، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، ص: 62.
[19] - جعفر ايزوغار، مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي، ص: 81.
[20] - سعيد اولعربي، قوة الشيء المقرر في القرار التنظيمي للهيأة العليا لاتصال السمعي البصري، مقال منشور بموقع – لكم – يوم الأربعاء 30 ماي 2012 على الساعة 21.14.
[21] - تختص الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري بمهام حددها الظهير الشريف رقم 212-02-1 بتاريخ 31 غشت 2002 المحدث للهيأة و القانون 03- 77 بتاريخ 3 فبراير 2005 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، ومنها نوظمة أو تقنين الإعلام السمعي البصري، الذي يشمل وظيفة المصادقة على دفتر التحملات الخاصة بالشركات الوطنية للاتصال السمعي البصري.
[22] - سعيد اولعربي، م، س.
[23] - سعيد اولعربي، م.س.
[24] - R. SCHWARTZENBERRG : l’autorité de chose décidée, librairie générale de droit et de jurisprudence 1969, p 188 et s . (نقلا عن سعيد اولعربي، م،س)
[25] - الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، مؤسسة عمومية أحدثت بموجب القانون رقم24-96 المتعلق بالبريد والاتصالات السلكية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-97-162 بتاريخ 2 ربيع الثاني 1418 (7 غشت 1997).
[26] - تنص المادة 8 من القانون المتعلق بالبريد والمواصلات على أنه: "تناط بالوكالة مهمة السهر على احترام المنافسة المشروعة في قطاع المواصلات وتبث في النزاعات المتعلقة بها ولاسيما تلك المتعلقة باحترام المواد 6 و7 و10 من القانون رقم 6.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة".
[27] - حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 2/05/2013 ، منشور بموقع العلوم القانونية يوم الجمعة 3 ماي 2013.
[28] - Amal LAMNIAI : Le rôle du juge en matière de régulation de la concurrence, p : 17.
[29] - تنص المادة الثامنة على أنه:"لا تخضع المادتين 6 و7 أعلاه الممارسات.
- التي تنتج عن تطبيق نص تشريعي أو نص تنظيمي.
- التي يمكن للقائمين بها أن يثبتوا أنها تساهم في التقدم الاقتصادي وأن مساهمتها كافية لتعويض قيود المنافسة وأنها تخصص للمستعملين جزءا عادلا من الربح الناتج عنها دون تمكين المنشئات المعنية بالأمر من إلغاء المنافسة فيما يخص جزءا مهما من المنتوجات والخدمات المعنية. ويجب أن لا تفرض الممارسات المذكورة قيودا على المنافسة إلا بقدر ما تكون ضرورية لبلوغ هدف التقدم المشار إليه أعلاه"....
[30] - نصت الفقرة الثانية من المادة التاسعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:"يمكن أن يثار البطلان المذكور من لدن الأطراف والأغيار على السواء ولا يجوز الاحتجاج به من لدن الأطراف وتعاينه إن اقتضى الحال المحاكم المختصة التي يجب أن يبلغ إليها رأي مجلس المنافسة إن سبق إبداؤه."
[31] - نصت الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون حرية الأسعار والمنافسة على أنه:"يمكن أن تنتصب جمعيات المستهلكين المعلن أنها ذات منفعة عامة طرفا مدنيا أو أن تحصل على تعويضات عن الضرر اللاحق بالمستهلكين بناء على دعوى مدنية مستقلة.
كما نصت المادة 157 من قانون 08.31 على أنه: "يمكن ...لجمعيات حماية المستهلك ...أن ترفع دعاوى قضائية، أو أن تتدخل في دعاوى جارية، أو أن تنصب نفسها طرفا مدنيا أمام قاضي التحقيق للدفاع عن مصالح المستهلك وتمارس كل الحقوق المخولة للطرف المدني والمتعلقة بالأفعال والتصرفات التي تلحق ضررا بالمصلحة الجماعية للمستهلكين ...".
[32] - ....دور الهيئات القضائية ...ص: 34.
[33] - تنص المادة 48 من قانون المنافسة الجزائري: "يمكن لكل شخص طبعي أو معنوي يعتبر نفسه متضررا من ممارسة مقيدة للمنافسة وفق أحكام هذا الأمر أن يرفع دعوى أمام الجهات القضائية المختصة طبقا للتشريع المعمول به".
[34] - الفصل 118 من الدستور.
[35] - محمد الهيني، مرجع سابق، ص: 318.
[36] - من بين هذه المبررات حسن سير العدالة وتوحيد منازعات المنافسة بضمها لجهة قضائية واحدة.
[37] - موساوي ظريفة، "دور الهيئات القضائيىة العادية في تطبيق قانون المنافسة" م، س، ص: 77.
[38] - موساوي ظريفة، "دور الهيئات القضائيىة العادية في تطبيق قانون المنافسة" م، س، ص 69.
via MarocDroit موقع العلوم القانونية http://www.marocdroit.com/ركن-منتدى-هيئات-النوظمة-دور-القاضي-والناظم-في-حل-نزاعات-المنافسة_a3962.html



0التعليقات :